الرئيسية » أخبار لبنان » فلنحفر في الأرض قبوراً جاهزة للصغار…

فلنحفر في الأرض قبوراً جاهزة للصغار…

لسنا بوارد الاستسلام والخضوع للطغيان، لكنّ هذا الأخير المستشري في دنيانا بات يُجبرنا على تفضيل موت على آخر. ألهذه الدرجة يئن العالم تحت سطوة الظلم فتستفحل التعاسة؟ نعم، وحتى أكثر مما نخال. يُهشمّ العنف معايير أخلاقياتنا، غصباً عنّا. نحاول جاهدين محاربته وصدّه والقضاء عليه بأغصان الزيتون واستيلاد ثورات وشعارات وتنفيذ أحلام. عبثاً نحقق فوزاً يُذكر. الظلام ينتصر في نهاية المطاف، وما الفجر إلا محاولات خجولة لتنصيب النور بطلاً. لكنّ سرعان ما تُسدل ستارة الليل عليه…فيعلو تصفيق الصمت.

هذه حالنا في حضرة هذا العالم البائس. وحضرة هذا الزمن الرديء من القرن الواحد والعشرين، وحضرة غياب الإنسانية. هذه حالنا وما عدنا قادرين على الجزم بأن موت الصغار بكلّ أشكاله ولحظاته وأماكنه هو فاجعة الفواجع، فكيف اذا كان موتٌ بسبب القتل؟ وما عدنا متأكدين من أن أكفان الصغار كلّها ومن دون استثناء، هي الأثقل. صرنا نسأل: أيهما أكثر حظاً، الطفل الذي يبتلعه البحر أم طفل الكيس الأسود في حاوية النفايات؟


هذه المرّة. كان يلبس سترة حمراء بلون الدم والنار. من لم ينزع عنه “الحفاض” خاف من أن يتبلل ببول الخوف والثأر. وربما هي طفلة. من حسن الحظّ أن الصور التي التقطت اليوم للجثمان الصغير المرميّ في الحاوية في منطقة كفرشيما، لم تُظهر الوجه. العينان من شأنهما قول الحقيقة.

ومن شأنهما إخجالنا وصفعنا.عسى أن تكشف التحقيقات الأمنية عن كلّ تفاصيل الجريمة، فننال فرصة البصق بوجه القاتل وإجباره على حفر قبر بحجم دمية.

لكن، وبخلاف المنطق وكلّ ما يدعونا إلى حماية عالم الطفولة وتحصينه وإنقاذ حيوات الأطفال ووضعهم في بيئة آمنة، قد نشرع نحن أيضاً في نكث التراب وتجهيز قبور لصغار لن يحظوا بجنازة ولا بورد، بل سيُرمون أحياء أو أموات في الحاويات. قبورٌ جاهزة قيد الطلب، أليست أفضل من نهايات لا نرتضيها لعلبة من تنك فارغة، نملأها تراباً وبذور “غرادينيا”؟!

هذا ليس استسلاماً ولا خضوعاً للظلم. إنها مجرد محاولات يائسة لتقليم أظافره الأكثر بشاعة وأذيّة. تقتل الحروب يومياً مئات الأطفال، فُيظلم هؤلاء من قبل رؤساء دول وحكام. يُجمّد الصقيع صغاراً، وقد يبتلع البحر آخرين في لحظات اللهو والفرح، فنغضب على الطبيعة التي تُتقن الظلم أيضاً. تنتفخ البطون الصغيرة ويحوم الذباب على رؤوس بريئة قبل أن تلتهمها الصقور والقوارض، فنلعن الجوع وما قد تشفع بصغار أبرياء.


نستنفر ونعلنها حرباً للقضاء على أشكال الظلم وجرائمه. لن يسود العالم خيرٌ مطلق، نعترف بأسى. وعليه، ترانا نفضل ظلماً على آخر، ونفضلّ موتاً على آخر. رأفة بالأطفال وبالانسانية، فنلحفر قبوراً لصغار يبصقونهم آباؤهم من أرحام العار والذلّ والكراهية إلى حاويات الأوساخ التي تبقى أنظف من أحضانهم ووجوههم. دعونا نقضي على وجه الظلم هذا، وهو أشنع من المجازر والإبادات الجماعية.

انسوا كل ما كُتب للتوّ. أردنا إقامة جنازة لائقة للصغير(ة) ودفنه(ها) في أرض علّها تنبت زهراً. تبيّن بأننا ندفن أنفسنا أحياء….

المصدر: لبنان24