الرئيسية » أخبار لبنان » كوستا…برافو!

كوستا…برافو!

في ظلّ استفحال العنف والإرهاب والغدر والموت المجانيّ في محيطنا، من سوريا الى العراق فتركيا واليمن، يمكن القول ان لبنان ينجو، يومياً، من كوارث مأساوية رهيبة. برأي الخبراء والأمنيين، فإن هذا “الإستقرار الأمني” السائد راهناً، سببه تضافر عوامل مختلفة، تشمل الواقع السياسي المحليّ، عمل الأجهزة الأمنية ونجاحها في رصد الشبكات الإرهابية وتوقيف عدد من “القياديين” الخطرين، طبيعة الصراع الإقليمي والعالمي…

هذا “النعيم” الأمني كاد أن يُخرق ليل السبت الماضي، فيما لو نجحت العملية الانتحارية التي كان المدعو عمر حسن العاصي ينوي تنفيذها في مقهى “كوستا” في منطقة الحمرا. ولعلّه من الأجدى القول ان هذا النعيم كان ليُنسف لولا الجهود التي تبذلها القوى الأمنية اللبنانية في مجال مكافحة الإرهاب، لكن للأسف، شكك كثيرون بصحة هذه العملية النوعية الى حدّ توصيفها بـ”الفيلم الهندي الطويل” أو اعتبارها مسرحية تمثيلية بامتياز!

بعد مُضي أكثر من 24 ساعة على الحادثة، يمكننا رصد الملاحظات التالية:

-في تفاعل اللبنانيين مع الحدث: يبدو واضحاً انعدام ثقة قسم من الشعب بعمل الأجهزة الأمنية، وهو ما تُرجم بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تعليقات مشككة وساخرة ومتهكمة. سارع كثيرون الى إبرام أحكامهم المسبقة بمجرد الاستناد إلى بعض المعلومات الأوليّة التي وردت في تقارير وتغطيات إعلامية، فباتت حيازة “الانتحاري” بطاقة هويته دليلاً قاطعاً إلى ان الحادثة مفبركة. نظرية المؤامرة التي تهيمن على عقول البعض تعززت مع طرح أسئلة وتساؤلات عن سبب ترك الإرهابي يجلس في المقهى لأكثر من ربع ساعة في ظلّ تأكيدات عن مراقبته وملاحقته من قبل عناصر أمنية بلباس مدني، فيما استغرب آخرون اختيار مقهى “كوستا” دون سواه من النوادي الليلية وعلب السهر المنتشرة في المنطقة. وفي موازاة ذلك، ثمّة من ذهب في “تحليلاته” الداحضة حقيقة العملية الى حدّ اعتبارها “تركيبة” تهدف إلى صرف النظر عن فضيحة خطف المواطن ريشا وتحريره بواساطات من دون إلقاء القبض على خاطفيه.

-في تعاطي الإعلام: كالعادة، يسقط بعض الوسائل الإعلامية في هفوات خطيرة، وذلك نتيجة التسرّع وعدم التأكد من صحة المعلومة قبل نشرها. فبسبب تشابه الاسم، بات شابٌ جامعي عرضة للخطر بعد انتشار صوره على “السوشيل ميديا” على انه الإنتحاريّ، وقد عمد بعض المنابر الإعلامية الى إعادة النشر قبل التأكد من المنشور.

-في هوية الانتحاري: صحيحٌ أن لا دين ولا لون ولا جنسية للارهاب، لكنّ خبراً يتضمن “توقيف انتحاري لبناني يدعى عمر حسن العاصي من منطقة شرحبيل في صيدا (25 سنة)” يؤلم جدّاً، ليبقى السؤال: ما الذي يدفع بشاب لبناني إلى حضن المنظمات الإرهابية وقتل أهله؟ وكيف تتمكن شبكات الإرهاب من الوصول الى شباب هذا الوطن وتجنيدهم؟ أخطر من كلّ هذا هو حقيقة وجود خلايا نائمة، أو أفراد أو شبكات، على صلّة بـ”داعش” وسواها، يعيشون في لبنان بشكل طبيعي بانتظار ساعة الصفر! تجدر الإشارة هنا الى بعض التحليلات التي خلصت الى ان محمد العاصي ليس محترفاً، وربما ليس تابعاً لداعش بشكل مباشر ومنظم، بدليل فشله في تفجير نفسه قبل القاء القبض عليه.

-في الواقع الأمني محلياً: رغم فشل هذه العملية الإرهابية وعودة الحياة بشكل طبيعي وسريع الى منطقة الحمرا وسواها من المدن اللبنانية، عادت الهواجس من خضات أمنية الى الواجهة. وفيما تؤكّد الأجهزة الأمنية أنّ الأمن مستتب وما من داع للهلع، تسود مخاوف من احتمال خرق مباغت يوقع لبنان في مأساة جديدة تُضاف إلى سلسلة العمليات الإرهابية التي نجح الإرهاب في تنفيذها في أكثر من منطقة في السابق. وعليه، يبدو من المفيد هنا العودة الى الملاحظة الأولى التي ترصد تشكيك قسم من اللبنانيين بحقيقة العملية وطرح الأسئلة التالية: بماذا يفيد التشكيك بقدرة الأجهزة الأمنية على ضرب الإرهاب سوى في محاولة إحباط هذه المؤسسات التي نجحت ولا تزال في توقيف أخطر الإرهابيين، علماً أن مكافحة الإرهاب تعدّ من أصعب المهام عالمياً ولا يمكن تعزيزها إلا بعمل أمني استباقي وإجراءات وقاية مختلفة؟ ولماذا هذا التناقض الواضح الذي يترجمه التخوّف اليومي من عمليات إرهابية في لبنان ومن ثمّ استسخاف الموضوع واعتبار الإنجاز الأمني مجرد “تلفيقة”؟ ولماذا أصلاً يصرّ اللبنانيون، ومعهم الوسائل الإعلامية، على أن يكونوا “توما” مطالبين بالخوض في تفاصيل العمليات الأمنية ما قد يؤثر سلباً على عمل الأجهزة الأمنية؟

لعلّه من المفيد اليوم الاكتفاء بشكر هذه الأجهزة على ما قامت به، ولو ان هذا الأمر يندرج ضمن واجباتها الطبيعية. في الأثناء، ثمة غضب سببه التقصير في القاء القبض على هواة الخطف والسرقة والتشبيح، وهذا شعور عام محقّ. لكن في عملية “كوستا” تحديداً، وبصرف النظر عن كلّ التفاصيل، كلمة واحدة تقال… برافو!

المصدر: لبنان24