الرئيسية » أخبار لبنان اليوم » هل ماتت ماريا ابنة الـ52 يوماً بخطأ طبّيّ؟

هل ماتت ماريا ابنة الـ52 يوماً بخطأ طبّيّ؟

ليبانون ديبايت – نهلا ناصر الدين

لم يشفع لماريا صِغَر سنّها، ولم يخجل الموتُ من رِقّتها، وابتسامتها ولا حتّى من نعومة بشرتهِا، فاختطفها بعد 52 يوماً فقط من تاريخ ولادتها. أمّا المُجرم، وبحسبِ شكوك والديها، فهو المُستشفى الذي احتضنها منذ يومِها الأوّل.


كيف ماتت ماريا، ما هي العوارض الصحيّة التي عانت منها، وكيف ساءت حالتها؟ وهل فعلاً أودت المُمارسات الطبّيّة الخاطئة بحياتِها؟

يروي آلان حداد لـ”ليبانون ديبايت” ما حصل مع طفلته، ويضعُ هذه الرواية بعُهدةِ المعنيّين.

في الشّهر الرابع خلال فترة الحمل بماريا، لاحظ الطبيب مشكلةً في قلبِ الجنين، وأوصى والديها بزيارة أحد أفضل الأطبّاء المختصّين بـ”طبّ قلب الأطفال” في لبنان، وهذا ما حصل. وتمّ تشخيص حالة الجنين بأمراضِ القلب الخُلقيّة. ووعد الطبيبُ المختصّ بأنّ كلّ شيء سيكون ُعلى ما يُرام من خلالِ عمليّةٍ تجري عبر مرحلتين. الأولى بعد الولادة مباشرة؛ لإصلاحِ الشريان الأبهر، والثانية إجراء جراحة القلبِ المفتوح لإصلاحِ الثّقوب في القلب بعدما تُصبح بنية الطفلة أقوى، وتكون فيها قادرةً على تحمّل هذا النوعِ من العمليّات.

وعند الولادة توجّه حداد وزوجته إلى أحد أفضل المُستشفيات في لبنان، وأشهرها، وكانت الولادةُ بتاريخ 24 تموز الماضي، بإشرافِ فريقٍ مختصٍّ بأمراضِ القلب الخلقيّة، ووُضِعَت الطفلة عقب ولادتها بغرفةِ العناية الفائقة لمراقبة ومعالجة وضعها الصحيّ.


وفي اليوم الثالث، أَجرى المستشفى أوّل عمليّةٍ جراحيّةٍ لماريا، لمعالجة مُشكلة الشريان الأبهر، وكانت النتائج الأوّليّة تدلّ على نجاحِ العمليّة. على أن يتمّ إجراء الجراحة الثانية بعد أن تُصبح بنية ماريا أقوى.

في يومها الخامس عشر، تمّ إزالة أنبوب الأوكسجين لها، ولُوحِظ عقب يومين فقط من إزالته أنّ ماريا تُعاني من صعوبةٍ في التّنفّس، ما اضطرّهم لإعادة الأنبوب. وشرحتِ الطبيبة المُشرفة يومها الوضع لوالدها قائلةً: “ماريا كسولة لا يمكنها السعال لإزالةِ الماء من رئتيها”.

كما التقطت ماريا بكتيريا من المُستشفى، وفاقاً لما قاله والدها، فأعطوها مُضادّات حيويّة، لفترة 9 أيّام. وفي يومها السادس والعشرين حاولوا إزالة أنبوب الأوكسجين للمرّة الثّانية، لكن تمّ إعادته للأسباب عينها. حينها شكّكت باحتمالِ وجود مُشكلةٍ في عضلةِ الحجاب الحاجز، وهي التي تمنعها من السعال بشكلٍ صحيح. ومرّة أخرى عادوا لاستعمال المُضادّات الحيويّة، وسط مواصلة الفريق الطّبّي في اطمئنان الأهل عن صحّةِ ماريا وأن “ما من شيءٍ يدعو للقلق”.

وبعد فصولِ العذاب والانتظار التي مرّت بها ماريا وأهلها، قرّر الفريق الطبّيّ المُختصّ في اليومِ الثالث والثلاثين، تِبعاً لاستشارةِ طبيبٍ آخر، إجراء صورة “scanner” تفصيليّة للصدر، من شأنِها أن تكشف حقيقة المشاكل التي تُعاني منها ماريا.

وكشفت النتيجة الأوليّة أنّ لدى ماريا التهابات حادّة، وأنّ القصبة اليسرى تُعاني من قِصَرٍ بالشريانِ الرئويّ الّذي خضعَ للعمليّة وأُزيل منه الجزء المُغلق. وأثبتت هذه النتيجة المروّعة أنّ هناك مضاعفات حصلت بعد الجراحة لم تتّخذ فيها المُستشفى أيّة إجراءاتٍ إلّا بعد ثلاثين يوماً، بحسب والد ماريا.

وبعد معرفةِ هذه النتائج، قرّروا معالجة الالتهابات الحادّة، وفي اليوم التاسع والأربعين قرّروا إجراء عمليّةٍ جراحيّةٍ أُخرى لإصلاحِ المُشكلة التي سبّبتها الأولى. وهو الخطأ الذي لم يَذكرهُ المُستشفى بشكلٍ صريحٍ، وسمّاه بالـ”complication” أي المُعقّد، في تقريره، بل أطلع أحد الأطباء الوالدَين على الخطأ شفهيّاً.

وفي اليوم الخمسين، تلقّى حداد مُكالمةً هاتفيّة من المُستشفى، أُخبِرَ أنّ حالة ماريا الصحيّة سيئة، وانتشرت العدوى من الرئة اليسرى إلى الرئة اليمنى ما جعل مُستويات الأوكسجين مُنخفضة جداً. وفي اليوم الثاني والخمسين، ساءت حالتها أكثر وأكثر، وأَبلغت الطبيبة المسؤولة الأهل بأنّها تشتبه في مُعاناة ماريا لما يسمّى “متلازمة الحصانة”.
وتوفّيت ماريا بعد ذلك بساعاتٍ، عن عمر 52 يوماً، في تمام الساعة الـ11:30 من مساء يوم الخميس في 14 أيلول الجاري.

أسئلةٌ كثيرةٌ يطرحها حداد عبر “ليبانون ديبايت” ويضعها بعُهدةِ نقيبِ الأطبّاء البروفسور ريمون الصايغ ونقيب أصحاب المُستشفيات المهندس سليمان هارون وسائر المعنيّين لإجراءِ تحقيقٍ شفّافٍ بحادثةِ وفاة الطفلة ماريا حداد وفي مقدّمتها، لماذا لم يكتشف المستشفى أنّ ماريا تُعاني من هذه المتلازمة في وقتٍ أبكر، والتي كان يمكن أن يكون لها نهج مختلف من المعالجة؟ لماذا التأخير المُتعمَّد في قرارات الأطبّاء المختصّين، هل لإطالةِ مدّة إقامتها وبالتالي جني المزيد من الأموال؟ هل من الشّائع أن يدخلَ الطبيب قسم العناية الفائقة المُخصّصة للأطفال من دون ارتداء الملابس الصحيّة والوقائيّة اللازمة، والملابس ذاتها التي تحمل العديد من بكتريا الخارج؟ وهل يحقّ للممرّضات تصفيف شعرهنّ داخل هذا القسم؟ ولماذا يستخدمُ عمّال التنظيفات الأدوات نفسها لتنظيفِ هذا القسم والأقسام المُختلفة في المستشفى؟ أسئلةٌ تُطرَحُ كي لا تحذو القضيّة حذو مثيلاتِها من القضايا التي أُميطَ اللّثام عنها مُؤخّراً.