موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

روايتان عن “قبر” فيروز الباحثة عن أرضٍ ممكنة

يتعذَّر تخيُّل المكان الأخير لفيروز، بعد طول العُمر، إلا رقيقاً تحت فيء سَروة. ذلك أنها تُفرِط في الهدوء، حتى حيكت حولها روايات مُبهَمة. يُعكِّر سعي التلفزيون الى استمالة الجمهور، صفو الحضور الفيروزي المنطوي على نفسه، ليس لأنه أيقونة، وفق الوصف الشائع، بل لأنه مقيم في الخاص جداً، والمختلف، والدافئ. تارةً يُحركَش بفيروز بذريعة مواقف ابنها زياد وانفعالات ابنتها ريما، وتارةً بتصادم الورثة. جدلٌ يطاولها اليوم، حميمي ربما: المجسَّم الهندسي في الزغرين (المتن)، المُكوَّنة أسواره من حروف اسمها، حديقة أم مدفن؟ حيث السكينة وكثافة الذاكرة، تساؤلات تُشبه فيروز بغرابتها.

سؤال الماهية وتضخيم التلصص المُتعمَّد
يصبح السؤال: لماذا تريد فيروز مكاناً خاصاً، وما غرضها من اختيار التفرُّد ضمن حيِّز؟ يفرض طرح ماهية المكان والغاية من إنجازه، بعضاً من التلصّص على الخصوصية، وإن كانت المعنية في الطرح هامَة يحوطها لغز. في الطريق الى بكفيا، على اليمين تحديداً، تقبع الزغرين، قريةٌ هادئة، يُتخيَّل هواؤها الآن بارداً. هناك، ارتأت فيروز، قبل نحو 5 أعوام، بناء مساحة خاصة. كأنها تشاء أن تنأى عما تبعثه المدن في ناسها. تردّد أنّها تشاء أيضاً لو تنقل رفات زوجها عاصي الرحباني، من مدافن العائلة في أنطلياس، الى عالمها الذي قررته بنفسها، الى أن يذوبا معاً، بعدما يستعيد الرب أمانته، في نهاية واحدة.
زافين قيومجيان مَن حرَّك جدلاً حول إمكان أن تكون المساحة التي تُكمِل فيروز تشييدها في الزغرين، مدفناً أو حديقة. بالغ في البهجة إزاء قطف الخبر، وقرّر مع فريق عمل برنامجه “بلا طول سيرة” (“المستقبل”) أن يمنحه عنواناً متسرِّعاً: “فيروز تحفر قبرها بيدها”(!). عنوانٌ يُضخِّم التلصص على خصوصية فيروز حيال مكانٍ ليس هو ستوديو تسجيل أغنية أو مسرحاً، لا سيما أنّ المضمون لم يجزم ماهية المجسَّم المُشيَّد، فقَسَم الناس من القرية حيال صواب المعلومة.
لم يجزم التقرير مُراداً من المكان، مُرجِّحاً الظنّ بأنّ القصد من صياغته على نحوٍ مثير فتح معركة يكسبها البرنامج ومقدّمه لمصلحتهما وسط المنافسة. عوض التساؤل عن حقيقة ذاك المجسَّم المشيَّد على هيئة اسم فيروز معكوساً (كانعكاسٍ تولّده المرآة)، قطعت نبرة العنوان الشكّ حياله، حاسمة ماهيته بالقول إنّه قبر فيروز الذي تبنيه بنفسها. وقد تصحّ فرضية مماثلة، لميل فيروز الى العزلة أولاً، ولرواية مفادها أنّها سعت عند المطران الياس نجم، حين كان في سدّة دير مار الياس للروم الأرثوذكس، المحازي لزغرين، الى نقل رفات زوجها عاصي الرحباني من مدافن العائلة في أنطلياس الى القرية الهادئة، فاعترضت عائلة شقيقه منصور، معتبرة، وفق الرواية، أنّ “فيروز فرّقت الأخوين في حياتهما، وتشاء لو تفرّقهما في الممات أيضاً”. مصدرٌ كنسي في القرية، يفيد العكس. ينقل عن ريما الرحباني رواية تؤكد بأنّ المُجسَّم حديقة، لا مثوى، وأنّ فيروز ليست في صدد التخطيط عبره لنهايتها.
اللحاق بالضوضاء ومشروعية الكسب بأي طريقة
يرفع زافين نخب “السكوب” عالياً، ذلك حقّه، وإن فاته أنّ لسان الابنة ريما مُصلت، يوزِّع الشتائم عوض ردّ الاعتبار قانونياً. أخطأ إذ قدَّم نموذجاً عن التغطية غير الناضجة. لم توفّره الرحباني في بوستها الفايسبوكي، مُبيِّنة مرة أخرى، أنّ سوء اللسان يحوِّل الجاني ضحية. يُقرِّب الانبهار زافين من “نجوم” ليلة الإثنين تلفزيونياً، وإن جاهر بكون برنامجه مغايراً. أغوته صناعة الضوضاء، فأرادها بأي طريقة.
في الزغرين، كأنّها الطريق الى الله…
لا شيء يُبرر تجاوز ريما الرحباني الغضب الى الكلام المتفلت. لها حقّ الرد، أو رفع دعوى، وليس لها الدفاع بغريزية. نحاول الوصول إليها، فيرنّ الهاتف، ولا إجابة. تصبح شويّا الاتجاه، هناك في المتن حيث فيروز والسكينة. يفيدنا مختارها هاني فرنسيس بأنّ المُجسَّم يعود عقارياً للزغرين، لا شويّا تحديداً، وعبره نستدلّ على مختارتها سمر الصياح، فتتفاجأ إذ نطلعها بأن ضجيجاً يُثار حيال القرية الجميلة. لا بلديات في هذه القرى المتّكية على روائع المتن الطبيعية، والمرجعية في الزغرين مختارة تمنّت لو تمتلك الرواية الكاملة. تقول إن أحداً لم يتواصل معها في شأن المُجسَّم، وهو مُشيَّد قبل العام 2010، عام أصبحت مختارة. كأنّ الزغرين طريقٌ الى الله، تكسوها أشجارٌ يزيدها الخريف نضوجاً بديعاً. هادئةٌ القرية، حتى ان أرض فيروز، في كونها مدفناً أم حديقة، ليست شُغل أهلها. تُخبرنا الصيّاح بأنّ الموضوع لم يُطرَح على النقاش لتقف على رأي الأهالي حياله، ومعها نستعيد ذاكرة مطعم الينابيع ورمزية المكان حين جمَع الأخوين منصور وعاصي في حضرته الجمالية. لم يُشجَّر المجسَّم بعد، ولم يُزيَّن بعشب “الغازون” النضر. تحسم بأنه ليس حديقة عامة، بل كينونة شخصية لفيروز حقّ التصرّف فيها. لا تستبعد فرضية نقل الرفات، ولا تجزمها، في اعتبار أنّ الخطوة رهن المرجعيات الدينية أولاً، فالمدنية. تُبيِّن الصيّاح المبالغة في مقاربة المسألة، فالمجسَّم موجود منذ سنوات، لكنّ تداوله إعلامياً كاد أن يصيبه تشويهاً. فيروز أمضت العُمر تبحث عن بقاء خارج الصخب. “بيتي أنا بيتك”، واحدة من أغنياتها الشبيهة بحميمية وحدتها التي تعنيها.

https://www.youtube.com/watch?v=6VSqs27B5BU

قد يعجبك ايضا