موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الموت لرفيق علي أحمد!

ما مِن عاقل ممكن أن يقبل دعوة لمشاهدة رجل يكلّم نفسه على مدى أكثر من ساعة… لكنّ هذا العاقل نفسه لا يمكنه أن يرفض الاستماع إلى رجل سكّير يتحدّث بكلّ وقاحة وعلى الملأ عن غدر النساء وغباوة الرجال وقيمة الأوطان وظلم الحياة… وبالطبع لا أحد يمكن أن يفوّت فرصة مشاهدة الممثل المسرحي رفيق على أحمد، حتى لو كان متشرداً سكّيراً لم يبقَ في حياته أحد يكلّمه سوى نفسه على «مسرح مونو» في عمله الأخير «وَحشة».

لا شكّ أنّ الفنون المسرحية كادت أن تصبح منقرضة من اهتمامات الجماهير التي وجدت لنفسها عدداً غير قليل من وسائل الترفيه الأقلّ فنّية، وهي باتت موجّهة بشكل غير مباشر إلى جمهور نخبوي.

ومسرحيات اليوم، إن وُجِدَت، تعتمد بشكل كثيف على المؤثرات البصرية والسمعية، وتميل إلى الضخامة في الأزياء والديكور واللوحات الفنيّة المتنوّعة بغية ضمان حشد أكبر عدد من الجماهير. وعلى عكس متطلبات العصر الحديث، اختار رفيق علي أحمد في مسرحيته الأخيرة «وحشة» التخلّي عن كلّ ما يتعلّق بالضخامة والإبهار الضروريين لجذب الجمهور، والإتكال بشكل حصري على النصّ والإبداع في التمثيل، وعلى ديكور بسيط يخدم النصّ المكتوب من دون أن يتعدّى ذلك بأيّ شكل من الأشكال.

نجم المسرحية وبطلها الوحيد هو أبو ميشال، متشرّد سكّير يجوب زواريب العاصمة بيروت، يستمع إلى هموم أهلها الخارجة من النوافذ المشرّعة، يأكل من حاويات نفاياتها التي يجد فيها أسرار أصحابها المخفية على أدقّ أجهزة المخابرات، ويصادق قططها التي يقاسمها مساحة العيش بعد أن خذله البشر من نساء ورجال.

وعلى رغم اسمه الذي يمكن أن يدلّ إلى دينه، إلّا أن أبو ميشال ليس أكثر من اسم وهمي لشخصية غير واضحة المعالم المذهبية والطائفية والعشائرية والمناطقية، وهو ليس سوى مواطن متضرّر نفسياً ومادياً واجتماعياً من الحرب اللبنانية وتبعاتها، ومن النظام الحاكم وسياسيّه الفاسدين الذين أجهزوا على كل شيء جميل بقيَ في هذا الوطن.

يغوص رفيق علي أحمد عبر شخصية أبو ميشال في بعد وطني واجتماعي ينتشل من أعماقهما مشاكل اللبنانيين جميعاً على اختلاف توجهاتهم وأديانهم، ويعمد إلى تهشيمها وتقطيع اوصالها في توليفة كوميدية ودرامية في آن حتى أصاب العمل برمّته حال من الإنفصام الذي يستلّ تارة ضحكة في وجه الجمهور وطوراً يُرديه بدمعة.

كراسي «مسرح مونو» امتلأت كلها في تلك الليلة بوجوه مألوفة وأخرى مشهورة، أو بالأحرى امتلأت بأشخاص دخلوا حاملين أسماءهم وشخصياتهم، وأنا كنت واحداً منهم… لكن عندما دخل أبو ميشال بيننا وعكّر صَمت الصالة المكتظّة بنقمته على المرأة والدين والسياسة والوطنية الزائفة والحياة والموت، فقط عندما بدأ صوته يعلو فوق سكوننا، نسينا أسماءنا وخلعنا هويتنا لنلبس شخصيات وزّعها علينا رفيق علي أحمد بذلك الدهاء التمثيلي المبدع الذي حوّلَ كلّ من تجرّأ على دخول تلك الصالة الى أن يصبح «أبو فلان» و»أبو علتان»، حوّلنا بسحر نصّه وإبداع أسلوبه إلى شخصيات في مسرحيته من دون أن تطأ أرجلنا مسرحه…

يمكن لهذه السطور أن تطول وتطول، لكن ولا كلمة قادرة أن تفي رفيق علي أحمد إبداعه وشغفه… يمكن لهذه السطور أن تطول، ولكن لن يصل إحساس أبو ميشال إلى أي أحد من القرّاء من دون مشاهدة العمل.

على الكراسي الشاخصة في أبو ميشال، كرِهنا أنفسنا وكرهنا كلّ ما عَرّاه ذلك السكّير فينا. أمام ناظرنا شاهدناه يقتل كل أوهامنا الوطنية والعاطفية وينتحر في المرّة آلاف المرّات مطعوناً بخيانة أو خيبة أو وَحشة.

نحن، هجرنا كراسينا وغادرنا الصالة من بابها الواسع… لكن هو، أبو ميشال، بقي مصلوباً على «خشبته» ينتظر موتاً عساه يكون رحيماً…

قد يعجبك ايضا