موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أحدث صيحات الرقابة: فيلم عن الطوائف ممنوعٌ في بلد الطوائف!

هوفيك حبشيان – النهار

أقدمت المخرجة رين متري على نبش الذاكرة اللبنانية المنكوبة، وقالت باختصار: “أمراء الحرب هم حكّامنا اليوم”! فتعرّض فيلمها الوثائقي الجديد “لي قبورٌ في هذه الأرض” عن الطوائف اللبنانية للمنع في بلد… الطوائف.

في فيلمها هذا الذي عُرض في مهرجان دبي الأخير ولن يفوز اللبنانيون بفرصة مشاهدته، تتصدى متري للمخاوف المناطقية والديموغرافية المسيطرة على بواطن المجتمع اللبناني، من خلال أربعة عقود من الخراب والتشرذم والضياع والانسلاخ والتصدع. هذا كله يطفو على السطح بواسطة خطاب سينمائي يشير الى الخوف باعتباره العنصر المشترك بين سائر الأطراف اللبنانيين المتصارعين. الفيلم عن التاريخ والذاكرة والتهجير الطائفي والعفو العام الذي رسم ملامح سلام هشّ.

في 5 أيّار 2015، تقدّمت المخرجة بطلب من المديرية العامة للأمن العام للحصول على إجازة عرض الشريط في الصالات المحلية. يومذاك، أعلمها الموظف الذي تسلّم الطلب بأن المسألة تحتاج إلى نحو ثلاثة أسابيع، أي الوقت اللازم لتحويل الملف الى لجنة رقابة تتألف من ممثلين عن وزارات عدة وممثل عن الأمن العام. بعد مرور شهر، اتصلت متري بالموظف المعني للاستفسار عن طلبها، فقال لها انه تمّ تحويل الملف الى اللجنة قبل ثلاثة أيّام فقط، على الرغم من انها كانت قد تقدّمت بالطلب قبل شهر. وعندما استغربت هذه المماطلة كلها، أجاب الموظّف: “بين حين وآخر، تتصل اللجنة بنا لتسأل ماذا لدينا من أفلام نريد تحويلها اليها”. لم تقتنع المخرجة بهذه الإجابة، بيد أنّ الموظّف نفسه اتصل بها مجدداً بعد ربع ساعة على المكالمة، ليبلغها بقرار اللجنة منع الفيلم من العرض في صالات السينما.

تروي متري ما قال لها الموظّف: “صارحني أن اللجنة ليس لديها صلاحيات منع الأفلام لكنها ترفع توصية بالمنع الى وزير الداخلية وهو الذي يصدر كتاباً بقرار المنع ثم يبلّغ الأمن العام، وانه قد تبلغ هذا الكتاب للتوّ. أبديتُ استغرابي: غريب! كيف يمكن أن يكون خلال ثلاثة أيّام قد تمّ تحويل الفيلم للجنة، فشاهدته، ثم رُفعت توصية بالمنع، وأصدر الوزير قرار المنع وأبلغهم إياه الآن، بعدما اتصلتُ أنا للمراجعة! باختصار، طلبتُ تبليغاً خطياً بقرار المنع لكي أبدأ باتخاذ الاجراءات المناسبة، فقال لي الموظّف: “هذا حقك، قدّمي لنا طلباً خطياً لنسلمك إياه”.

لم تُمنَح متري أي تفصيل حول خلفيات قرار المنع وأسبابه، ولم يُطلَب منها أن تحذف أي لقطة أو حوار أو حتى عبارة من الفيلم الذي لا يوفّر الأحزاب اللبنانية كافة، من التقدمي الاشتراكي الى “أمل”، مروراً بالأحزاب المسيحية، وصولاً الى رفيق الحريري والسياسة الإعمارية التي انتُهجت في عهده. تؤكد متري انه لو طُلب منها أي حذف أو تعديل، فلن ترضخ لهذا الابتزاز التزاماً بمبدأ حرية التعبير الذي تؤمن به. حتى انها لم تستفسر عن السبب لأنها تتوقع مسبقاً الجواب: ممنوع العبث بالسلم الأهلي، الذي بذريعته يتم قمع الأعمال السينمائية في لبنان. مع ذلك، تقول متري إنّ معركتها، كما معركة سائر السينمائيين في لبنان، ليست ضدّ موظفي الرقابة الذين لا حول لهم ولا قوة سوى تطبيق القوانين، بل ضد النظام اللبناني الطائفي الذي يطال حتى تفاصيل حياتها اليومية: “مشكلتي الكبرى هي مع قانون الصمت ومحو الذاكرة الذي فُرض علينا منذ نهاية الحرب وإصدار قانون العفو العام. نحن نعيش تبعات هذا القانون الذي حرّم علينا أي محاولة لفتح ملفات الحرب الأهلية او كتابة تاريخها”.

في لقاء معها، قالت متري إنها تقصّت جزءاً من معلوماتها عن الحرب الأهلية من شهادات الناس. لم يجرؤ كثيرون على الحديث عن يد “حزب الله” الممدودة على أراضي الجنوب مثلاً: “هم سكّان المنطقة ويخافون دفع الثمن. تبنّيتُ الموضوع وتحمّلتُ المسؤولية وطرحتُها على لساني. لم آتِ على ذكر الأطراف كافة انطلاقاً من مبدأ “6 و 6 مكرر”، ولا إكراماً لأيّ توازنات طائفية. لم أجد مفراً من جعل الجميع معنياً. فرضت السردية ارتباط الحوادث بعضها ببعض. في كلّ مكان، ثمة الجاني والضحية. بالنسبة إليّ والى كثير من اللبنانيين، الصفحة لم تُطوَ والحرب لم تنتهِ. الجميع يشعر بأنّه الضحية. لم نصل الى محاسبة الجاني ولا سوقه الى المحاكمة. لا أعيد نبش ذاكرة الحرب بغية “إثارة النعرات الطائفية”. أفعل ذلك لأننا لا نزال نعيش تبعات الحرب والتقسيم الذي فرضته. لا ننفكّ نشعر بالغربة في هذا البلد المشرذم”.

قد يعجبك ايضا