موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

تشاهد تلك اللقطات الشاميّة… فتبكي بيروت!

كان لبيروت قسمة الإنتاج ونصيب مكان التصوير مع كثير من الأعمال الدرامية السورية أو تلك المشتركة بين لبنان وسوريا. بين هذه المسلسلات يأتي العمل الرمضاني “بنت الشهبندر” (يُعرض على “المستقبل” وتلفزيون قطر). دمجٌ فُرض على الدراما العربية منذ سنوات ليضيف لها في بعض الأحيان، لا لينتقص منها. خصوصية بيروت أنها “ميناء كبير لكل مدن الشام” عبارة التبرير التي جاءت في سياق الحوار.

ههنا الحقبة العثمانية حيث أصبحت بيروت ولاية مستقلة. وإلى هنا- أي في بيروت حيث تمّ التصوير – جاءت عائلة سورية رفيعة المستوى، لتتعايش مع اللبنانيين، متصدّرة الزعامة. زعامة ماذا ولماذا؟ لم نفهم بعد حتى الآن. ربما لحاجة إلى كادرات ألفتها مسلسلات البيئة الشامية. نخبة من الممثلين السوريين واللبنانيين أدّت الأدوار. اجتمع القديران رفيق سبيعي (“أبو راغب” الزعيم كضيف شرف) ومنى واصف (“أم راغب”) ليضيفا الى العمل قيمة. ينشأ الصراع بين الولدين “راغب” (قصي الخولي) و”زيد” (قيس شيخ نجيب) على الحبّ والإرث. من الذي بدأ ومن الذي خان؟ الشكوك مفتوحة على مدى الحلقات الباقية لكن الأداء متميّز لا شك. لولا الحرب الدائرة في سوريا، لكان الأخوان تناحرا في إحدى الحارات الشامية وتمّ تصوير المسلسل من دون فوارق تُذكر. لكنّ الصراع قذف الإخوة للتتناحر في بيروت ليكتمل السيناريو والدمج.

إن بعض الملاحظات يفرض نفسه. يُزفّ العريس “زيد” (ابن العائلة السورية الموجودة في بيروت) باللهجة السورية عوضاً من اللبنانية، فيما الحضور بيروتيّ بامتياز. فهل الخطأ في اختيار الكومبارس أم في أساس النصّ (كتابة هوزان عكو)؟ أيضاً تتحدّث البطلة بنت الشهبندر “ناريمان” (الممثلة السورية سلافة معمار) باللهجة السورية فيما شقيقتها (سارة أبي كنعان) تتحدث باللهجة اللبنانية. الفتاتان من أم سورية والوالد (فادي ابراهيم) لبناني، والعائلة تعيش في بيروت. لهجتان للشقيقتين؟! ربما للزوم تسليم البطولة إلى ممثلة سورية.

نكتشف في الحلقات الأولى أن لمسات بيروت في العمل ما زالت خفيفة. يبرع الممثل اللبناني أحمد الزين في أداء دور صاحب القهوة كثير الكلام والأسئلة. أما أداء طوني عيسى (ابن صاحب القهوة في المسلسل) فلافت ويعوّل عليه أكثر. أخته (جيسي عبدو) عرفت كيف تخرج من الإطار الكوميدي – رغم مشاركاتها الدرامية السابقة – بمهارة وخفّة. ننتظر ما سيكتب لكل من ديامان بو عبود -إذ لم تظهر بعد- ومجدي مشموشي في دوريهما.

إضافة إلى “الكاست” الذي اختير بعناية، ثمة ما يشدّك لهذا العمل السوري – اللبناني… الموسيقى التصويرية، تأليف عادل عايش، شيء من إيقاعات وميلوديا يجمع البلدين بقوة.

أما أغنية الشارة فمن كلمات نزار فرنسيس وألحان عاصي الحلاني وأداء نادر الأتات. هي أيضاً تملأ الأذن ضجيجاً جميلاً. تقول الأغنية في أحد مقاطعها “ما بيتغيّر لون الدم… ولا بتكذب دمعات الأم… ضلّك حاضر قد الهمّ… ولا تسكن غيابك”. يتنهد الصدر حد التمزّق. تتحمّل النفس عبء الهم وتكتوي بدموع جميع الأمهات منذ الاحتلال العثماني (زمن المسلسل) إلى حروب اليوم. وغير ذلك؟ تشعر أن العمل المُهدى إلى روح الممثل الراحل عصام بريدي -لم يظهر حتى الحلقة الثالثة- يلقي أحمالاً كثيرة عليك، وأسئلة من مثل: هل سيكون لأداء عصام أثر في العمل؟ لماذا لم يأخذ هذا الممثل حقه قبلاً؟ لماذا لم يُقدّر له مشاهدة العرض الأول للمسلسل؟!

هل سيُكتب لهذا العمل المدمج الذي صوّر في لبنان نجاحاً أكثر مما حققت المسلسلات اللبنانية التي تناولت حقبة الاحتلال؟ قد يجيب البعض بنعم، انطلاقاً من فكرة تطبيق نموذج الحارات الشامية في بيروت. لكن مهلاً، ثمة عوامل كثيرة ستتضّح تباعاً وقد ترجّح هذه الكفّة أو تلك.

لا نخفي خوفنا من أن يقع المسلسل في الرتابة أو يرتبك في سكب النص السوري المتقن على حارات بيروت، على رغم أن التصوير كان في جبيل والذوق وغير مكان. هنا الحزن يستولي عليك أكثر. لمَ لم يبقَ لبيروت حارات قديمة مماثلة؟ حتى للتصوير لا تجد المدينة ما يربطها بماضيها. بيروت “تسكن غيابها” (استعانةً بكلمات الشارة) بدل حضورها التاريخي- الحضاري كما شاء المسلسل أن يصوّرها.

للمخرج سيف الدين سبيعي، الذي انتقد الدراما اللبنانية يوماً، أن يرينا كيف سيخرج بهذا العمل في نهايته. سبيعي يؤدي دور “الخال نجيب” المتحرر الذي يحلو له نقد الاحتلال. بيروت ديموقراطية- ولاية مستقلة في المسلسل- تفتح أبوابها للجميع. ليس أمام سبيعي سوى النجاح (خلافاً لتجربته في “ديو الغرام” مثلاً) ليكون قد توّج الكلام بالفعل.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا