موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هذا الطفل “المعجزة” أبكانا… واستاء الجنوبيون!

حين تتغيّر وجهة البندقية يصعب على الدراما اللحاق سريعاً بالمتغيّرات. قد ينشغل الفؤاد في مكان ما، لكن لا ملاذ لعين الكاميرا سوى الواقع الأكثر إجماعاً وفهماً. هو حال الجنوب اللبناني حين تطرقت إليه قناة “المنار” خلال الموسم الرمضاني بمسلسلين يرتبطان بتاريخ المقاومة ما قبل التحرير مطلع هذه الألفيّة: “درب الياسمين” (نعود إليه لاحقاً) و”عين الجوزة” الذي نتطرق إليه هنا كعمل يشهد إقبالاً ونقداً في آن. سيق إليه اللوم لأنه انجرّ إلى اللهجة الجنوبية الصعبة بدلاً من البيضاء. لم يرق أهل الجنوب، الذين يشكّلون جزءاً كبيراً من مشاهدي القناة، أن تُلفظ لهجتهم مصطنعة أو مشوبة بـ”شطحات” بيروتيةٍ نحويّة. عبّروا عن “استيائهم” عبر العالم الافتراضي، إذ إن إيجاد اللكنة الجنوبية الأصيلة يصعب حتى على أهل الجنوب فكيف على ممثلين من غير مناطق؟ وحدها لهجة منير كسرواني، بدور مختار “عين الجوزة”، سلِمت من النقد.

بعيداً من أداء اللكنة الجنوبية التي تقسم أصلاً إلى مذاهب بحسب كلّ منطقة، نجد أن المؤلف الدكتور ابراهيم فضل الله قد أحسن توليف روايته “عين الجوزة” – صدرت له سابقاً- في سيناريو وحوار يصلحان لعمل تلفزيوني حمل العنوان نفسه عن إحدى القرى الجنوبية المتمرّدة على الاحتلال الفرنسي. عُرف أننا نشاهد في رمضان الجاري جزءاً أولاً من الرواية تدور حوادثه بين عشرينات وأربعينات القرن الماضي. يومذاك كان المحتلّ الفرنسي عدوّاً تقليدياً له زيّاً ولهجةً يسهل تناولهما كتابةً وإخراجاً. الرواية نفسها تُقسم لثلاثة أجزاء ينتهي آخرها عام 2010، لعلّ العمل سيقسم على نحوها. ربما هو تاريخ المقاومة الأوضح بعنوانها الجنوبي.

لأجل مسلسل “عين الجوزة” (إنتاج “الأصيل” لصالح شركة “الفارس”) تضافرت الهمم ليكون على مستوى المنافسة مع باقي المحطات وعلى النطاق العربي. أدرك العمل أن النجاح يتطلب وجوهاً تغبط بها الشاشة. أعاد عبد المجيد مجذوب بدور مولى القرية “موسى” وآلان الزغبي بدور الجنرال الفرنسي “لوبان”. صعّب العمل مهمّة إتقان اللهجة حين أتى من سوريا بكلّ من القدير أسعد فضة بدور الإقطاعي المتجبّر “سعيد بيك”، وكندا حنا لأجل دور حبّ. لفتنا حجم المكر الذي استطاع عمار شلق إبرازه في دور “أمين” مساعد البيك سعيد. اعتدنا على شلق الإحاطة جيداً بأدواره.

كان لعائلة محمود (جورج شلهوب كضيف شرف) وزين الدار (وفاء شرارة نجمة “الغالبون”) حصّة الأسد من ألم الرواية. استطاع القديران اختصار معاناة العوائل المجلودة بسيط الإقطاع والاحتلال والفقر. معهما أطلّ ابنهما “عباس” (الطفل حسن فقيه الذي عرفناه بدور “بلال” في الجزء الأول من “الغالبون”). أبكانا هذا الطفل المعجزة لذوبانه في دور الطفل الذي يشهد على غياب والده القصري فينضج قبل أوانه. قدر العائلة أن يُشرّد معيلها إلى فلسطين بتهمتَي زور – الاعتداء على أمين وقتل ضابط فرنسي- فتغرق الأم والابن بضرورات الثبات حتى نيل الحقّ والانتقام. حُشر دور الشاب المتمرد “محمد” (باسم مغنيّة) في الحبكة لكنه كان مفصلياً – رغم مدّته القصيرة – ليعلّم عباس ورفاقه الصغار فنون القتال. صبر العمل على الواقع ليلقّن الأطفال دروس المقاومة. اتّزن النص في عملية التلقين تلك، حضّ الشباب على التعلّم والحفاظ على المبادئ والتحلّي بالقيم قبل حمل البندقية.

لا يلبث أن يشبّ عباس ليستلم الدور البطولي طوني عيسى، مؤكداً أنه جاهز لأداء أكثر من شخصية في موسم رمضاني واحد. اجتمع “عباس” برفاق الطفولة، نمر (وسام صبّاغ) ونزار (يوسف حداد) وحمزة (مهدي فخر الدين) وآخرين، في الجرود موقل الشجعان. سيتوجّب عليهم ردع الظلم وحماية المظلومين ومعالمة الأسرى بلياقة ما يقتديه الشرع. إنها القيم الأكثر تواتراً في سياق النص التعبَوي.

رُبطت الحوادث بمنطقٍ سلسٍ تحت إدارة المخرج ناجي طعمة. يسرع الإيقاع ويبطؤ بحسب الموقف. الكاميرا لطيفة سرعان ما أهملت مشاهد تعذيب المعتقلين من شباب الجرود، لتترك الدور للمخيّلة في تصوّر قساوة المعتقلات – الفرنسيّة هنا- ووجع خيانة أهل البلد.

لا تُربك الحبكة نفسها بشخصيات كثيرة وتشعّبات لا مبرّر لها. على مرّ الحلقات ستتعلّق بحيوات الشخصيات المعدودة وستنتظر مصيرها. بين ضيعة عين الجوزة وجارتها عين الوادي سنعرّج مع أهالي القريتين على ظلم الإقطاع، يوم كان البيك يستولي على محاصيلهم ويقاسمهم غلّة بيادرهم. لا يشبع البيك وأزلامه بهذا القدر بل يستحصلون رضى المحتلّ غادرين بأهل البيت. من سيحمي المظلومين إذاً؟ الشباب طبعاً، ثم عباءة مولى الضيعة وشيوخها العقّال. يبدو أن ربط المقاومة بحكمة رجال الدين ومكانتهم لدى الناس ينطبق على كلّ الأزمنة، بحسب الرواية المصوّرة.

لم نشاهد المرأة الجنوبية كما نعرفها قويّة تخوض أدواراً مفصليّة. ربما سيتولى ذلك جزء آخر من “عين الجوزة” يلي حقبة الأربعينات. وجدناها تقليديّة – بحسب زمن التصوير – تخرج لملء أجرار المياه وتعود إلى عمل المنزل والتربية فلا تساند المقاومين إلا بالأدعية.

يُشاهد مسلسل “عين الجوزة” لكنه لا ينافس المراتب الأولى لناحية الأكثر مشاهدة. الأعمال الرصينة لا تُصنع لشبابيك التذاكر. “الرايتينغ” يحصده من عرف ما يعوزه الجمهور – العربي لم يعد بيئة حاضنة – وقناة “المنار” تعرف من هو جمهورها. تأثير “عباس”، طفلاً كان يؤدي دوره حسن فقيه أو شاباً يلعب دوره طوني عيسى، سيحمل من يشاهدون العمل على هذا التمنّي: ليت البطون تلد أمثال “عباس” لأجل الدراما وضرورات المقاومة!

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا