موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هذا ما فعلته ماجدة الرومي بجمهورها…

داني حداد – موقع MTV

أمام حشدٍ سياسي وجماهيري تقدّمته كرسيٌّ فارغة من رئيس ويشغلها، حتى إشعارٍ آخر، علم لبنان، أطلّت ماجدة الرومي بثوبٍ أبيض لتضيء عتمة الأيّام السوداء التي يعيشها اللبنانيّون.

“على باب العتمة معلّق قنديل النار، ما تقولو طوّل هالليل، قولو بكرا جايي نهار”. اختارت ماجدة الرومي أن تطلق رحلتنا معها برائعة طلال حيدر (ألحان سليم عساف)، وأن تختم بها، وما بين ضفّتَي البداية والنهاية حملتنا ماجدة على متن زورق صوتها الى حيث لا حروب ولا أزمات ولا فتن، بل صوت يحاكي الحبيب والوطن والإنسانيّة.

إنّها بداية محرِّضة، والمكتوب يُقرأ غالباً من العنوان. وبعدها خاطبت ماجدة بصوتها الواثق ونبرتها الحازمة، ولكن برِفق، الجمهور الذي ملأ الكراسي كلّها في مجمّع فؤاد شهاب الرياضي، في أولى ليالي مهرجانات جونية الدوليّة، فرحّبت وتمنّت للجميع تمضية سهرة جميلة لساعتين “نحتفل فيها بالحياة والحبّ والسلام”.

وما كادت ماجدة الرومي تنهي كلماتها القليلة، حتى أرخينا برأسنا على وسادة أحلامنا ورحنا نصغي الى صوتها، ينقلنا الى مطارح بعيدة، يزرعنا في “إحدى الغيمات”.

إنّه صوت استثنائي، يحفر في سامعه. يزرع ابتسامةً، يُسقط دمعة، ويُشعل حنيناً، ويحرّك في داخلنا عشقاً كنّا نظنّ أنّه خَبا. غنّت: “غمّض عينيك تصوّر إنو هالعالم إلنا، وإنّي بإديك وإنّو الليل المجنون مغازلنا”، وكم من يدٍ لامست أخرى، وكم من حبيبة ألقت برأسها على كتف حبيبها… وأغمضت عينيها.

ليست مطربة ماجدة الرومي، بل هي حالة تنثر حولها “فيروس” الحبّ حيناً والثورة حيناً آخر. حين تغنّي: “لوّن معي الأيام يا حبيبي، بغمار من أحلام يا حبيبي، ذهبا بغناني.. بقصيدة عشقانة، تقلّك أنا بدي.. تبقى العمر حدّي، يا حبيبي” تبدو كمراهقة تركض مع حبيبها في بستان، تقطف له وردةً حمراء ويحفر هو حرفَي اسمَيهما على غصن شجرة، بين حدَّي سهمٍ يخترق القلب.

ثمّ تتحوّل، في أغنية “اقبلني هيك”، الى امرأة ناضجة وثائرة تخاطب عقل حبيبها وقلبه، لا الجسد الذي يريد أن يسجن حبّهما فيه. تقول: “اقبلني هيك متل ما أنا هيك، اقبلني عمر ما غلي يوم عليك، اقبلني قلب مش حاسس إلا فيك، ومتل الحب ما إدبل بعينيك. قلبي أكتر من وردة حمرة، أكتر من موعد غرام، لا أنا الكحل ولا الحمرة ولا الفراشة لما بتنام، انا البنت لهديتك عمرا، انا الباقي إلك من الايام”.

وما أن تلاعبت أصابع ميشال فاضل الساحرة على البيانو، عازفاً “اعتزلت الغرام”، حتى انعجن تصفيق الجمهور بهتاف الحناجر. “اعتزلت الغرام يوم الحبّك جنّني”. صوت ماجدة “يجنّن”. وقفتها، تعابير وجهها، انحناءتها حيناً وارتفاع عينيها الى السماء حيناً آخر. فليعتزل الكثيرون من بعدها الغناء…

لكنّ ماجدة لن تعتزل الغرام، وما من أحدٍ يفعل ذلك. ها هي تنشد من كلماتها، بوجهها المتلوّن بهجةً: “من أوّل وجودي وعيوني موعودي، موعودي بملك. يحملني ع حصانو، يطيّرني بحنانو ويوسع هالفلك، إنت الملك قلبي وعلى قلبي ملك”.

في صوت ماجدة الرومي رنينٌ يسرق منك لمعة عين، ودمعة تسكن في تلك المسافة بين الألم والخجل، فتأبى أن تلامس الخدّ. اختارت من أغنياتها باقة وضعتها على “صَينيّة” وراحت تضيّف منها جمهورها العطش الآتي ليتطهّر بصوتها. للحبّ حصّة كبيرة، والوطن الجريح يحضر في أغنياتها وضميرها، منذ اختارت أن تنطق باسم الحقّ وأن تغلّف حنجرتها بقضايا الحريّة والاستقلال والثورة.

أما العالم العربي الذي يعاني، وفق ما قالت، “من مؤامرة الهدف منها تفتيتنا وتسخيف عقولنا والسيطرة على ثرواته” فأنشدت له للمرة الأولى، من كلمات الشاعر حيدر محمود وألحان ميشال فاضل:

“تَتَوحّدُ الدّنيا.. وننفصلُ
ونقلُّ نحنُ.. وتكْثرُ الدُّولُ
وتصيرُ كُلُّ لُغاتِها لُغةً
وعلى حُروفِ الجّرِ نَقتتلُ!
هل ظَلَّ “للمُسْتعمرينَ” يدٌ
في ما يَحلُّ بنا.. وقَدْ رَحَلوا؟!
أمْ أنّها يدُنا التي فَعَلتْ
في “حالِنا”، اضْعافَ ما فَعَلوا؟!”.

وكانت لماجدة الرومي عودة الى قديمها، غنّت “خدني حبيبي”، و”ما حدا بيعبّي” ورائعة الأيّام كلّها “كلمات” ووقفت فتاةٌ من بين الحضور هتفت لها “عظمة على عظمة”… قبل أن توجّه تحيّة الى الشعب الأرمني، باللغتين العربيّة والأرمنيّة، ثمّ يتداخل وقع أقدام راقصي الدبكة بوقع نبض الجمهور الذي وقف وصفّق وهتف للوحة من الفولكلور اللبناني، الى أن حان نشيدها الذي أصغينا إليه وقوفاً “يا ستّ الدنيا يا بيروت”…

غادرنا ليلة مهرجانات جونية الدوليّة “الماجديّة” ونحن نتأمّل تلك الكرسي التي تتقدّم، ولو فارغة، على الكراسي كلّها، حاملين وصيّة من صاحبة الصوت الذي عانق الضباب الذي اخترقته أنوار سيّدة حريصا، الساهرة من فوق معنا وعلينا: “ما تقولو صار اللي صار، وما عدنا صحاب القرار، إذا الظلم بيربح جولة الحريّة قدر الأحرار”.

قد يعجبك ايضا