موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ومن الـ”بوكر” ما قتل …!

نهلا ناصر الدين –

“لا أعمل… أعيش من هذه اللعبة”… كلماتٌ ست اعترفت بها رشا لصديقاتها في السكن قبل ايامٍ قليلة من انتحارها، تُجمع صديقاتها على أنها “الغريبة الأطوار، المنطوية على ذاتها، والغامضة التي تقضي وقتها ليلاً ونهاراً على الانترنت”. رشا العائدة من الموت تنكر انها اقدمت على إيذاء نفسها بسبب الادمان على البوكر، ربما خجلاً، وربما خوفاً من التحقيق، بينما تؤكد جيزيل صديقتها المقربة بأنها عندما أقدمت على الانتحار كانت تلعب البوكر وخسرت مبلغاً كبيراً و”قبل أن أسعفها الى المستشفى وجدتها غائبة عن الوعي في غرفتها امام شاشة حاسوبها المحمول الذي توقفت صورته مع قطع شرايينها على خسارتها”.

انتشرت لعبة” البوكرخلال السنوات العشر الاخيرة بشكل كبير ولافت في لبنان، منهم من يتخذها للتسلية ومنهم من يتخذها وسيلة للربح والعيش اللامتوازن، الا انها في معظم الاحيان تتحول اوتوماتيكياً الى ادمان، وبسبب شبكات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد البوكر “ورقية” وحصراً على الكازينوهات والمقاهي المخصصة للمقامرة على اختلاف انواعها، بل أصبحت بمتناول الجميع “افتراضياً” بغض النظر عن اعمارهم، وحلت زائراً ثقيلا في منازل اللبنانيين، زائرا قلّما كانت إقامته قصيرة وغير مكلفة.

أرقام عالية
تُعتبر البوكر إحد ألعاب الميسر التي تتيحها المواقع الالكترونية، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، وإن زيادة المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت التي تتيح لروادها ممارسة هذه اللعبة ساهمت في انتشارها بشكل واسع، بحسب رأي الاختصاصين.
ويمارس الشباب اللبناني “البوكر اونلاين” على موقعين الكترونيين، يُعتبران الأكثر شعبية بين المواقع التي تتيح المقامرة افتراضياً احدهم يقدر عدد المستخدمين اللبنانيين فيه بحوالى 362 الفًا، بينما يقدر عدد مستخدمي الموقع الثاني بما يقارب الـ15 الف لاعب لبناني، وتجدر الاشارة إلى ان ليس جميع اللاعبين يستخدمون المال الحقيقي في اللعب.

سهولة انتشار
يؤكد مهندس الكمبيوتر والاتصالات نزار حكيم لـ”البلد” أن تحوّل البوكر من ورقية الى الكترونية هو الذي اسهم بسهولة انتشارها، فلم يعد اللاعب مضطراً للذهاب الى الكازينوهات والمقاهي المخصصة للمقامرة، بل اصبح بامكانه اللعب من غرفة نومه، ويحول الأموال التي يخسرها او يربحها عبر “الكريديت كارد”، ويصفها بأنها “إدمان الكتروني، لا يقل خطورة عن الادمان الحقيقي على المقامرة الورقية أو غيرها”.
يلجأ اللبنانيون للبوكر لـ”اعتقادهم بأنهم يستطيعون تحصيل الأموال بسهولة وسرعة من دون جهد او تعب، ولكن في الحقيقة اذا قام اللاعب بمراقبة وحساب خساراته وارباحه على فترة من الزمن، فسيكون خاسراً دون شك، فمالكو المواقع هم الرابح الاول والاخير في هذه اللعبة”.

سبب للقرصنة
وتُعتبر البوكر، كما يشير حكيم، واحدا من اهم الاسباب التي تؤدي الى قرصنة الحسابات الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، الذي غالباً ما يقوم المستخدمون باللعب من خلاله فـ”يقوم احدهم بقرصنة فايسبوك شخص آخر لسرقة “الـشيبس” الذي يملكه ذلك الشخص ليحولها الى حسابه الخاص ويستفيد منها خلال اللعب”.

خسارات متكررة
لا يخفي رامي (23 سنة) خسارته المتكررة بالبوكر، ولكنه يحاول ان يثبت جاهدا بأنها طريقة لـ”التسلية وتنمية للذكاء وفرصة للتعرف على أصدقاء جدد من دول مختلفة، إضافة إلى أنها فرصة لكسب المال السريع”. ويتفق معه جلال (32سنة) الذي وجد أيضا أن “هذه اللعبة فرصة لكسب أصدقاء جدد من كافة أنحاء العالم وخاصة أن الطاولة مفتوحة، ويمكن أن يتواجد عليها تسع جنسيات مختلفة”.
أما فريد (28 سنه) فيعترف بأنه مدمن على البوكر، ويقول “اداوم على اللعب ما لا يقل عن 10 ساعات يومياً” ولا ينكر خسارته للأموال الطائلة بسببها، الا انه لا يستطيع الاقلاع عنها، فـ”كلما ربحت اتحمس لأربح مرة اخرى، وكلما اخسر اتحمس للعب مرات اخرى لأنتقم لخسارتي واعوضها، ولكن غالباً ما تبوء محاولاتي بالفشل”.
أما رشا العائدة من الموت بسبب البوكر فما زالت تنكر ان خسارتها الاخيرة هي ما دعاها الى الانتحار، وتضع اللوم على حياتها الاجتماعية غير المستقرة، التي تعيشها بعيد انفصال أبويها ولجوئها للعيش منفردة، وما زالت ترى في هذه اللعبة على الرغم من كل الخسارات رفيقة دربها في هذه الحياة، و”مسكن آلامها” الذي تلجأ إليه هرباً من مشاكلها، دون أن تعي بأنها بذلك تكبّل نفسها بمشكلات أكبر يستحيل حلّها، والمؤسف انها ما زالت تعتبرها “مصدر رزق”.

إدمان نفسي
وفي حديث لـ”البلد” اعتبر الطبيب النفسي الاجتماعي أحمد عياش، الإدمان على المقامرة الالكترونية كمثل أي نوع من أنواع الإدمان الأخرى، ومواصفات وأعراض الإدمان عليها تتشابه بشكل كبير مع مواصفات وأعراض أنواع الإدمان الأخرى، وبشكل عام يمكن اعتبار أن الأسباب الرئيسية في دفع بعض الأشخاص إلى الإدمان عليها، هو البحث عن الربح السريع، او الحياة الاجتماعية غير المستقرة، أو عامل العادة التي تخلق نوعا من الإدمان”.
ويؤكّد عياش أن لعبة البوكر هي “من الالعاب المعروفة بعلاقتها الوطيدة بالادمان النفسي وضحاياها هم اناس يميلون ميلا قويا للايمان انهم قادرون على التحكم بالحظ في لحظة من اللحظات وانهم بغموضهم وايحاءاتهم المغلوطة للاخر يربحون وينتصرون في معركة الذكاء، والذكاء هنا اقرب الى الاحتيال والتمويه والخداع اي يقومون بدور ناجح بالتمثيل فيشعرون باللذة عندما تختلط عندهم مشاعر الخوف والترقب بلحظة الحسم والربح او الخسارة”.

على طريق الانتحار
أما عواقبها فتتلخص بـ”الشعور الدائم للعودة اليها كثأر لحلقة سابقة، وبحال كانت اسوأ من سابقتها وتكررت فبالامكان أن يصل اللاعب للشعور بالهزيمة وليس الخسارة فقط واذا ما ارتبط شعور الهزيمة بالذنب في خسارة اموال ومستقبل اطفال وما الى هنالك، فبالامكان ان تكون النتيجة هي الانتحار”.
ويشير عياش الى ان معالجة هؤلاء “طويلة في الزمن وصعبة في الاقناع والتواصل”، وعادة لا يعترف مدمنو البوكر بأنهم مرضى وبالتالي “ليس هم الذين يطلبون العلاج بل الزوجة او الاولاد او الاهل والأصدقاء”.
إذاً لا يختلف عاقلان على أن البوكر هي طريق لا تؤدّي إلا إلى الادمان، الذي يوصل بدوره الى مشاكل نفسية قد تنتهي بالانتحار، وما رشا إلا واحدةً من العشرات الذين قرروا ايذاء أنفسهم انتقاماً لأوراقٍ الكترونية قلبت موازين حياتهم، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، إلى متى تستمر المقامرة بأرواح الناس وأموالهم الكترونياً تحت غطاء التسلية التي لا يحاكم عليها القانون ؟
البلد

قد يعجبك ايضا