موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أبناء «الثورة» يأكلون عرسال: إعدامات وتصفيات وفلتان

تعيش عرسال حالاً من الفلتان الأمني، على وقع إعدامات بحق عراسلة ونازحين، وأعمال سلب وتصفية حسابات. الخطة الأمنية الشكلية لا تردع صولات المسلحين وجولاتهم داخل أحياء البلدة، بمنازلها وشوارعها وأزقتها

رامح حمية – صحيفة الأخبار

«عرسال في وضع لا تحسد عليه». البلدة الحدودية التي رفعت لواء «الثورة السورية» يكاد يأكلها أبناء «الثورة». الإعدامات وتصفية الحسابات وأعمال القتل والسلب والسرقة، رفعت من منسوب القلق والخوف لدى العراسلة، وشرعت الأبواب أمام أسئلة كثيرة عن المستقبل الذي ينتظر بلدتهم هذه في علاقتها بالنازحين الذين يفوقون سكانها عدداً، أو بجيرانها الذين لم تعرف علاقتها معهم تدهوراً كالذي تشهده اليوم.

مصطفى عز الدين آخر من نفّذ فيهم «حكم الإعدام»، وفق شريعة «الثوار» في عرسال. مساء الثلاثاء الفائت، دخل مسلحون منزله في عرسال وقت الإفطار. «الرجل البريء اللي ما آذى حدا… كبّروا عليه وهو يصلي وأعدموه»، يقول أحد أبناء بلدة عرسال. قطعاً ليس هذا الإعدام الأول. نجل عز الدين، حمادة، صفّي هو الآخر في جرود البلدة قبل أسبوعين من قتل والده. عراسلة كثر يتحدثون عن عمليات «إعدام» في حق «العشرات» من العراسلة والنازحين السوريين، فيما «تركت جثث أخرى في الجرود أو رميت في الهوّات الصخرية في وادي الحقبان وحقل الزعرور وفي ضهر الهوّة في الجرد الأوسط لعرسال».

عرسال التي لطالما اقترن اسمها برئيس بلديتها المثير للجدل علي الحجيري، بات «أبو حسن الفلسطيني» الاسم الأكثر تردداً في أرجائها. الأخير، بحسب عراسلة، قيادي منشق عن «الجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة» في مخيم اليرموك في سوريا. انتقل بعد معركة القلمون إلى جرود عرسال التي بات يصول ويجول في أرجائها، وأقام فيها «هيئة شرعية» تصدر فتاوى إعدام وقتل، وهو «المسؤول عن قتل عز الدين الذي شارك مسلحون سوريون وعراسلة في عملية إعدامه».

وبحسب مصادر من أهالي البلدة، تتردد معلومات عن «لائحة تضم أسماء 13 شخصاً من أهالي البلدة مطلوب إعدامهم بقرار من أبو حسن الفلسطيني، من بينها اسم رئيس البلدية علي الحجيري». وتعزو المصادر إدراج اسم الحجيري إلى عملية التفاوض التي تمت بينه وبين «أبو حسن» للإفراج عن مخول مراد (من بلدة رأس بعلبك) الذي خطفه مسلحو الأخير. وتوضح المصادر أن الاتفاق تم على إطلاق مراد مقابل فدية مالية بقيمة 50 ألف دولار، «دفع أبناء رأس بعلبك منها 20 ألفاً وتكفّل الحجيري بتأمين المبلغ المتبقي من أحمد الحريري». وأضافت أن الحجيري سلّم «أبو حسن 20 ألفاً من الفدية فقط، وهو ما أثار غضب الأخير على الحجيري الذي شرع أخيراً في التمويه في تنقلاته بالاعتماد على سيارات مختلفة».

وفيما أكّدت أوساط مطّلعة على مجريات التفاوض لإطلاق مراد أن مبلغ الفدية الذي جرى دفعه كان 30 ألف دولار، نفى الحجيري من جهته في اتصال مع «الأخبار» دفع جزء من الفدية، مشدداً على أنه سلمها له «بالكامل، 50 ألفاً». وعن لائحة الأسماء المطلوب إعدامها ومن بينها اسمه، اكتفى بالقول «إنه كلام سائد في الشارع وما بعتقد إنو صحيح… بعين الله».

مكامن الخطر في عرسال لم تعد خافية على أبناء البلدة، فهم يدركون جيداً أن مسلحي «داعش» و«جبهة النصرة» و«الكتيبة الخضراء» ينتشرون بكثافة في جرود عرسال «ويصولون ويجولون بحرية داخل البلدة وخارجها، من دون رادع، وخصوصاً أن عدداً من أبناء عرسال ينضوون تحت لواء هذه التنظيمات»، بحسب ما تؤكد مصادر مطلعة في عرسال. المصادر نفسها تشير إلى أن «الجيش السوري خلق مشكلة له ولنا»، فبعد معركة القلمون ترك المسلحين يفرون إلى جرود عرسال وإلى مناطق وعرة جداً في «جوار النقار» و«وادي عويس» و«وادي الحقبان» و«وادي ميرا» (لجهة قارة السورية). وهذه مناطق «ليس من السهل السيطرة عليها لوعورتها ولارتفاعها ولوجود المخابئ الطبيعية فيها من مغاور وأنفاق». وبحسب المصادر، يسيطر على هذه المناطق ما يزيد على خمسة آلاف مسلح من «داعش» و«النصرة» و«الكتيبة الخضراء»، كما يقيم في جرود عرسال ما يقارب 30 ألف نازح بينهم ما يزيد على 5 آلاف مسلح يسكنون في المنازل الصيفية للعراسلة وبساتينهم والمغاور الجردية. وتوضح المصادر أن المشكلة التي خلقها الجيش السوري لنفسه تتمثل في أن كل هؤلاء المسلحين جعلوا من الجرود منطلقاً لعمليات تسلل تحصل في شكل شبه يومي نحو عسال الورد وسهل رنكوس في الأراضي السورية، وأخرى باتجاه الأراضي اللبنانية، ومنها ما حصل أخيراً في محلة التنيّة بين خراج عرسال وبلدتي الفاكهة ورأس بعلبك، حيث دارت اشتباكات عنيفة استخدمت فيها القذائف والصواريخ من كل الاتجاهات».

وتشير المصادر الى أن 12 ألف ربطة خبز تنقل يومياً من أفران عرسال إلى جرودها، فضلاً عن المواد الغذائية والوجبات الساخنة. «وكل ذلك لا يكفي المسلحين» الذين يلجأون إلى أعمال سلب وسرقة مربّي المواشي وقطعانهم، و«تشليح» أصحاب بساتين الكرز «التحويشة اليومية، وإلا منعهم من دخول بساتينهم».

وأمام هذا كله تبرز أسئلة عن دور الجيش والقوى الأمنية في عرسال، وعن كيفية تحرك المسلحين بين الجرود والبلدة من دون أيّ ضوابط، وأين أصبحت الخطة الأمنية في عرسال؟

لا ينكر عدد من أبناء عرسال أنهم شعروا بـ«الارتياح الكبير لدى دخول الجيش إلى البلدة، وبعد استحداث فصيلة لقوى الأمن الداخلي وتوقيف عدد من المطلوبين، وفرار المتطرفين إلى منطقة وادي ميرا». لكن ذلك الارتياح سرعان ما تبدد بعدما لمس العراسلة أن الخطة الأمنية شكلية، بدءاً بعودة المتطرفين إلى البلدة، وليس انتهاءً بدخول المسلحين منازل البلدة وتنفيذ أحكام إعدام وأعمال سلب وسرقة.

في رأي بعض أبناء عرسال أن الجيش يقيم حواجز عند أطراف البلدة، وعلى طرقات لها «تحويلات» يمر عبرها المسلحون وهي لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن حواجز الجيش. وهذه التحويلات هي سرج أيسر قرب حاجز وادي حميد، وتحويلة وادي الحصن، وتبعد 30 متراً عن حاجز الجيش، وسرج حسّان وهي تحويلة إلى وادي الرعيان ووادي سويد. أما عقبة الجرد ومعبر راس السن «فيصل إلى الرهوة وأي مكان في جرد عرسال وغيرها من المناطق التي يتحصن فيها المسلحون». ويطالب بعض أبناء عرسال «بضرورة إرسال لواء آخر من الجيش اللبناني إلى البلدة لمساندة اللواء الثامن هناك، وإقامة حواجز داخل البلدة وإقفال سائر التحويلات إلى الجرود، وتنظيم أوقات تحرك النازحين الذين وصل عددهم إلى 160 ألف نازح (117 ألفاً مسجلون)، وضبط حركة السيارات «المفيّمة» وعشرات آلاف الدراجات النارية، وتعزيز قوى الأمن الداخلي. ويشدد رئيس البلدية علي الحجيري على «أنه ليس من داع للجيش والدولة، لأنهم ما بيقدروا يحلّوها»، وعلى أن «العراسلة باستطاعتهم إنهاء هذه المشاكل، ومندبّر حالنا بأمور الإعدامات والمسلحين»!

الحجيري أكد لـ«الأخبار» أن حالة الهلع والقلق «تسيطر على لبنان بأكمله وليس على عرسال فقط»، معتبراً أنه «ما دام اللبنانيون من حزب الله و14 آذار يتدخلون في سوريا، رح تبقى الأمور هيك بلبنان كله»، موضحاً أن «الجيش السوري يسيطر على القرى السورية في النبك وقارة وفليطا دون أطرافها، الأمر الذي يسمح بالانتقال بين الحدود».

وبحسب مصادر مطلعة في عرسال، ما زالت معابر أم الجماعة وورى الصعبة وعقبة القصيرة (باتجاه فليطا)، ومعبر الزمراني باتجاه الجراجير، ومعبر وادي الفتلة إلى رأس المعرة، مفتوحة على مصاريعها.

قد يعجبك ايضا