موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

نتائج الإمتحانات الرسمية في لبنان 2018

طوابير الحالمين بوظيفة الدولة: الأمن الداخلي نموذجا

6

علي عواضة – البلد

طلاب، متخرجون، عاطلون عن العمل من مختلف الأديان والمناطق جميعهم حرف مشترك في أسمائهم ليتقدموا بطلب الوظيفة الحلم في الدولة اللبنانية، بالرغم من الأعداد القليلة المطلوبة ومعرفتهم بصعوبة الحصول على الوظيفة، التي من خلالها يستطيعون تأمين حياتهم، يصر الشباب اللبناني إما الى اللجوء إلى حيتان المال والسماسرة، وإما إلى المرجعيات السياسية والطائفية، من أجل تأمين دخولهم إلى الوظائف المطلوبة في الأمن الداخلي والعام وغيرهما من مؤسسات الدولة.

طوابير طويلة تقف أمام مراكز الأمن الداخلي لتقديم طلبات للحصول على “حلم” الدخول إلى السلك العسكري، وكأنّ المشهد مقتبس من أحد أفلام الحروب والصف الطويل للحصول على رغيف خبز أو إعاشة ما.
2500 لبناني يبلغ العدد المطلوب لوظيفة الأمن الداخلي، في حين العدد المقدم حتى الساعة تخطى العدد المطلوب بأشواط، ولا يقل عن ثلاثة أضعاف حسب مراقبين، خصوصاً وأنّ باب تقديم الطلبات ما زال مفتوحاً إلى 22 تموز ما يعني أنّ العدد قابل للزيادة.

مصدر في قوى الأمن الداخلي اكد أنّ العدد المطلوب هو 2500، وهذا الرقم ليست له علاقة بالأوضاع الأمنية الأخيرة في لبنان، فقوى الأمن يقدّر عناصرها بـ 27500 بينما العدد المطلوب منذ العام 1994 هو 29500، وبالتأكيد إن العدد المطلوب حالياً أكثر بكثير، وذلك ليتمكن من مواكبة الأزمات الأمنية المتنقلة من طرابلس إلى بيروت إضافةً إلى حواجز الأمن الداخلي وغيرها من المتطلبات.
مصطفى، أحد المتقدمين الى وظيفة الأمن الداخلي يصف الانتظار بالطابور لأخذ رقم بالأعمال الشاقة، فقد انتظر منذ الساعة 5 صباحاً لكي يصل له الدور، والنتيجة رقم فوق الألف ما يدل أن الواسطة سوف تعمل بشكل مكثف ومافيات المال ستبحث عن ضحية لاصطيادها. وحسب مصطفى فهو مضطر للتذلل لاحدى المرجعيات السياسية أو لدفع مبلغ 10 آلاف دولار لأحد السماسرة من أجل الدخول وتأمين حياته. يقاطعه زميل له بالقول “هيدا إذا قبلو بالعشرة”، مضيفاً بأنه سبق وتقدم لوظيفة الأمن العام لكن عناء الانتظار عدة أيام باء بالفشل لأن العدد المطلوب لا يتسع لأحلام الشباب، ليعاود الانتظار لوظيفة الأمن الداخلي تحت أشعة الشمس وفي شهر رمضان لساعات طويلة آملاً أن يصل الدور له من اليوم الأول.

من جهته، يرى مستشار وزير الاقتصاد د. جاسم عجاقة أنّ الأعداد الكبيرة من الشباب التي تتقدم إلى الوظيفة ليس إلا دليلا على الخلل الكبير في الاقتصاد اللبناني، فهيكلية الاقتصاد المحلي لم تعد قادرة على استيعاب الكم الهائل من المتخرجين سنوياً ، فالوظائف المطلوبة لوزارة الداخلية على سبيل المثال تتطلب شهادات متوسطة أو بكالوريا، نرى أنّ معظم المتقدمين هم من خريجي الجامعات وفي بعض الأحيان من خريجي الشهادات العليا، كأن الطالب قضى سنوات الدراسة ليلتحق بوظيفة دون طموحه أو خبراته التعليمية آملاً منه بأن يؤمن مستقبله والاستقرار الوظيفي، وهذا دليل على عدم تجانس البرامج التعليمية مع سوق العمل، فمن غير المنطقي أن يتساوى طالب ماجستير مع خريج بكالوريا في صف طلب نفس الوظيفة فقط لأنه يحمل نفس الحرف الأبجدي في الاسم.

مصدر آخر في الأمن الداخلي، يعتبر أن هذه الأمور هي غنى للمؤسسة فهي تدخل عنصر خبرة إليها ويستطيع الحاصل على شهادات عليا أن يتدرج في السلك ويعادل الشهادة الحاصل عليها، موضحاً أن عبارة “ما بدرس وبتخرج حتى بالآخر اوقف على حاجز” ليست بالعادلة فالوظيفة هي أولاً وأخيراً لخدمة الوطن قبل الخدمة الشخصية.

أما د. عجاقة، فيرى أنّ الاقتصاد اللبناني لم يعد بحاجة إلى متعلمين بل إلى موظفين من ذوي الخبرة وعمّال، فالشاب اللبناني أصبح يفضل العمل في مطعم ويتقاضى 700 دولار بالإضافة إلى “الإكراميات” واضعاً أمامه أمل وظيفة أفضل ليرى نفسه بعد سنوات قد اندمج في الوظيفة ونسف سنواته الجامعية واختصاصه.
ويشير عجاقة الى أنّ السبب في اندفاع الكثير من الشباب للتقدم إلى وظيفة الأمن الداخلي يعود إلى نسبة البطالة الكبيرة الموجودة في البلد، التي تجاوزت الـ 40 بالمئة لدى فئة الشباب قابلة للزيادة مع أزمة اللاجئين واليد العاملة الرخيصة، كلها عوامل دفعت إلى هرب الشباب للوظائف التي تعطيهم امتيازات وتؤمن لهم الاستقرار الوظيفي والراتب المقبول نسبياً وتعويض نهاية الخدمة وغيرها من الأمور الأخرى.

وعلى سبيل المثال يشير د. عجاقة إلى أنّ الضمان الاجتماعي كان قد طلب سابقاً منصبا للصندوق، فتقدم ما يقارب الـ 400 إلى 500 شاب من أجل كرسي واحد، وفي مسابقة أخرى تقدم 3 آلاف للوظيفة والمطلوب كان فقط 30.
وحول الحديث عن الأموال المدفوعة من أجل الدخول إلى السلك العسكري يشير د. عجاقة إلى أنّ هذه الأمور شبه مستحيلة وتندرج تحت خانة “النصب” فمن الصعب مثلاً على أي مسؤول في مركز حساس أن يعرض سمعته ومستقبله المهني للخطر من أجل 10 آلاف دولار أو حتى 20 ألفا، بالمقابل فإن الشاب اللبناني غير قادر على سداد هكذا مبلغ في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وقد حذرت قوى الأمن الداخلي مراراً وتكراراً من السماسرة، مطالبةً بتوخي الحذر والتبليغ عن أمور مشابهة، تحصل إما على موقع قوى الأمن الداخلي على شبكة الإنترنت وإما من خلال تقديم شكوى، يستطيعون من خلالها إخفاء أسمائهم للمحافظة على حريتهم في عدم تقديم أي معلومة شخصية.

في المحصلة فرص عمل قليلة مقابل طوابير من الشباب اللبناني بانتظار طاقة الفرج التي تعطيهم فسحة أمل في ظل غياب دور الدولة التخطيطي الذي من المفترض به لو كان موجوداً أن يساهم في عدم الوصول إلى هذا الواقع المرير، ودفع الشباب اللبناني إلى الانخراط في الأحزاب أو الهجرة والبحث عن مستقبله خارج حدود الوطن.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا