موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

لا نعرف ما لدى «حماس».. فكيف بـ«حزب الله»؟

حلمي موسى – السفير

الإسرائيليون محبطون من استخباراتهم

لا شيء أشد إحباطاً للإسرائيلي من سماع أن هناك إخفاقات استخبارية في الحرب الدائرة مع قطاع غزة. فالقطاع من ناحية كان، حتى وقت قريب، يعتبر مكاناً تعرف فيه إسرائيل كل حركة وتسمع كل همسة، لكن قضية الجندي الأسير جلعاد شاليت غيّرت هذه النظرة. وكانت إسرائيل بحاجة إلى الحرب الجارية لتصدم بما تجهله عن قطاع غزة، وهذا الجهل، خصوصاً الاستخباري، بات شديد الإزعاج سياسياً والإرباك عملياتياً على حد سواء.

ولم تكن إسرائيل تعرف أن قيادة «حماس» مستعدّة للذهاب إلى حد المواجهة الشاملة، وكانت تظن أن حرص الحركة على الحكم كفيل بمنعها من تحدي الاحتلال. ولم تكن إسرائيل تعرف أيضاً أن «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، أكثر من سواهما، أفلحا في أن يراكما في القطاع مخزوناً استراتيجياً كمياً من الصواريخ، يهدد بالتحول إلى خطر نوعي. وإلى جانب كل ذلك لم تعرف أن هذين التنظيمين طوّرا نظرية قتال واستخدام للصواريخ والقوات قادرة على تحدي نظرية القتال الإسرائيلية.

ويشدد خبراء عسكريون إسرائيليون على أن المراقب لحرب «الجرف الصامد» لا يمكنه عدم القلق إزاء الشكل الذي يمكن أن تبدو فيه «حرب لبنان الثالثة». وفي نظر أحدهم فإن الجمهور الإسرائيلي لا يفهم حالياً أن الـ 20 صاروخاً بعيد المدى التي كانت بحوزة «حماس» قبل أقل من عامين صارت 400 صاروخ، وأن هذه الصواريخ قادرة على ضرب تل أبيب وما بعدها، وهي نسبة ضئيلة مما لدى «حزب الله» والمقدّر بـ 100 ألف صاروخ.

وما يزيد الطين بلة في نظر الكثيرين إيمانهم بأن ضعف معرفة إسرائيل بما يجري في غزة يعبر بشكل أوسع عن عدم معرفة أكبر بما يجري في مناطق صدام أخرى، خصوصاً في لبنان وسوريا. وهذا ينعكس في المخاوف التي أصبحت تتعمق، من التوقعات في الحرب المقبلة في الجبهة الشمالية.

وبحسب ما ينشر في الصحافة الإسرائيلية فإن الانتقادات موجّهة أكثر فأكثر إلى جودة المعلومات الاستخبارية التي لدى الأجهزة. وتتذكر الأوساط الإسرائيلية كيف أن حربي «الرصاص المسكوب» و«عمود السحاب» عبرتا عن مستوى استخباري جيد، عندما تم استهداف مخازن صواريخ ومواقع قيادية وتمت تصفية قياديين، فيما أن الحرب الحالية تكاد تخلو من إصابة أهداف أكثر أهمية من بيوت الناشطين وأهلهم، ما يعني تعذر العثور على أهداف نوعية. وليس هذا وحسب، وإنما هناك شعور عارم لدى الخبراء بعجز إسرائيل عن اصطياد أسماء كبيرة في «حماس» واضطرارها إلى ملاحقة مستويات دنيا ووسطى. ويكشف تقرير أن المناورات التي سبق للجيش الإسرائيلي إجراؤها ثلاث مرات نجحت الاستخبارات في اصطياد قيادات «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وهذا لم يحدث في الواقع.

وكانت «يديعوت احرونوت» قد استهلّت الحديث عن نقص المعلومات الاستخبارية لدى الجيش الإسرائيلي، ونقلت عن قائد رفيع المستوى في سلاح الجو قوله إنه ليست لديهم المعلومات المطلوبة حول مخازن الصواريخ. واضطر ضابط آخر للقول «أنا لا ألمح لعدم وجود معلومات استخبارية، وإنما أن هناك قيوداً على الاستخبارات، حتى إن كانت الأفضل. وسلاح الجو أغار على تشكيلة واسعة جداً من الأهداف وفق معلومات استخبارية متوفرة، بالتعاون مع قيادة الجبهة الجنوبية وشعبة الاستخبارات والشاباك. والغارات تتم وفق المعلومات التي بيدنا وحسب القدرات. أي نحن نتجنب قدر الإمكان المساس بغير الضالعين».

واعترف القائد الجوي «أننا لا نعرف كل شيء، ولا نستطيع مهاجمة كل ما نعرف. ما نعرفه نعمل ضده، وما يمكننا مهاجمته نهاجمه». وكان بين أهم نقاط كشف عجز الاستخبارات عدم علمها بشكل مؤكد بوجود صواريخ من طراز «ام302». وكان الجيش تباهى بإرسال قوات النخبة لاصطياد سفينة «كلوس سي» قبل بضعة شهور مسافة 1500 كيلومتر لمنع وصول مثل هذه الصواريخ إلى غزة. ولكن ثبت أن هذه الصواريخ موجودة في غزة، أو أن المقاومة في القطاع قادرة على إنتاج شبيه لها.

وقال ضابط رفيع المستوى في الجيش في تلميح واضح: «هناك في القطاع صواريخ أبعد مدى مما كان في عمود السحاب، ونحن نهاجم حيث نعرف أن هناك صواريخ كهذه. ولو كنا نعرف أين الصواريخ بعيدة المدى لقمنا بقصفها. نحن نقصف ما نعرف وما يمكننا الوصول إليه. ولن يُهاجَم مستشفى بداخله صواريخ بعيدة المدى».

وقد اضطر رئيس الأركان بني غانتس نفسه للرد على الاتهامات بشأن الفشل الاستخباري، حيث قال إن «نشاطنا الجوي ممتاز، واستخباراتنا ممتازة جداً. منظومتنا الدفاعية منتشرة على طول دولة إسرائيل وتعمل جيداً. نحن ندير قتالاً متنوعاً ولدينا الكثـير أيضاً مما تنبغي مهاجمته».

وشكل هذا القول نوعاً من الانتقاد الداخلي لشعبة الاستخبارات العسكرية التي لم توفر هذه المعلومات، وما يقرب منها. وفي نظر البعض فإن هذا انتقاد لقائد الشعبة الجنرال أفيف كوخافي الذي ينهي مهامه في آب المقبل، بعد أن أعلن تنفيذه ثورة في هذه الشعبة في مجال جمع المعلومات. ومن شدة هذه الانتقادات يرد المدافعون عن الاستخبارات بالقول إن الواقع بات أكثر تعقيداً وصعوبة.

ويرد المدافعون عن الاستخبارات العسكرية بقولهم إن إحدى أهم مشاكلهم الجوهرية في القطاع، هي أن غزة ليست ضمن صلاحيات الجيش في مجال الاستخبارات، وأن المكلف بذلك لا يزال جهاز «الشاباك». وقد كان هذا هو الحال في الجنوب اللبناني إلى أن تمّ الانسحاب، وقام رئيس «الشاباك» حينها بإعادة الصلاحيات والعملاء والمصادر هناك للجيش ليغدو الجهة الحصرية المسؤولة. ويشيرون أيضاً إلى أن التنافس بين الأجهزة لم يجعل العلاقات سوية وممتازة على الدوام، لكن هذا المنطق لا يستقيم مع تفاخر الجيش في كل من «الرصاص المسكوب» و«عمود السحاب» بإنجازات الاستخبارات وقتما كانت الصلاحية ذاتها قائمة.

وكان رئيس دائرة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية العميد إيتي بارون أعلن، قبل بضعة شهور، أن في غزة اليوم أكثر من 300 صاروخ يزيد مداها عن 70 كيلومتراً، ولذلك فإن كوخافي قرر أن تحشد القدرات والميزانيات لجمع المعلومات عن هذه الصواريخ.

وبيّن تقرير إسرائيلي أن «حماس» استفادت من تجارب الماضي، وأخفت الصواريخ في أماكن أصعب. وتدّعي الأجهزة الإسرائيلية أن صواريخ الحركة بعيدة المدى باتت تحت أبراج سكنية مأهولة ومتعددة الطوابق وليس في مناطق مفتوحة. ويبرر هذا المنطق عجز الاستخبارات بالقول إنهم لا يريدون قصف هذه الأبراج حتى لا يوقعوا ضحايا كثراً في صفوف المدنيين. وهو تبرير لا يستقيم مع الوقائع، حيث تطلق إسرائيل قذائفها على بيوت مأهولة وتأمر بيوتاً أخرى بإخلائها من أجل قصفها.

قد يعجبك ايضا