موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

انتبهوا: المبادرة فيها سم قاتل

2

وائل قنديل – العربي الجديد

كان من الممكن التعامل مع ما تسمى “مبادرة مصرية للتهدئة” باعتبارها اجتهاداً دبلوماسياً جانبه الصواب، لو أن هذه المبادرة ظهرت قبل أسبوع من الآن.

فالحاصل أن الدور المصري كان مطلوباً مع بدء العدوان الصهيوني على أشقائنا في غزة، بل إن سلطات الاحتلال طلبت تدخلاً مصرياً مبكراً يوم 2 يوليو/تموز الجاري، غير أن سلطة الانقلاب المصرية استنكفت عن فتح خطوط مباشرة مع المقاومة الفلسطينية الباسلة، وقد سجلت في هذا المكان قبل أسبوع ما يلي “إن المعلومات التي توفرت عن التواطؤ المصري في هذا العدوان تشير إلى أن الإدارة المصرية استقرت في حضيض مظلم، ذلك أن تسريبات تدعو للخجل بشأن الاتصالات المصرية الإسرائيلية قبل إعلان إذاعة العدو الإسرائيلي عن زيارة مدير المخابرات المصرية إلى تل أبيب تفضح ما يمكن وصفه بتنسيق بين قاهرة السيسي والكيان الصهيوني لتأديب المقاومة الفلسطينية، ممثلة في “حماس”.

لقد كانت مصر “السلطة” غارقة حتى كتفيها في محيط هائج من الإساءات والتحريض الفج على الشعب الفلسطيني، بل إن كائنات تستوطن شاشة الدولة الانقلابية العميقة في مصر أعلنت ما يشبه التعبئة العامة للقتال ضد الفلسطينيين، وكان كل ذلك في ظل صمت أقرب إلى الرضا التام من السلطات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن واحداً من كتيبة “إعلام الهاجاناه” المصرية سبق له التشديد على أن الجنرال الحاكم للبلاد يستشيره قبل اتخاذ القرارات، دون أن نسمع أن مؤسسة الرئاسة أسكتت هذا الدعي.

فلماذا إذن قررت السلطات المصرية أن تتذكر موضوع التهدئة فجأة؟

لقد قيل كلام كثير عن أن هذا التحرك المصري العصبي المتوتر بامتياز إنما جاء مدفوعاً بالرغبة في سرقة الكاميرا من أي لاعبين محتملين آخرين، خصوصا أن الورقة الفلسطينية / الإسرائيلية كانت ولا تزال هي كل أسهم النظام المصري منذ حسني مبارك وحتى وريثه في بورصة السياسة الأميركية والعالمية، ومن ثم جن جنونهم عندما وجدوا اقتحاما لهذه المساحة من أطراف أخرى.

غير أن ما وراء هذه القفزة المصرية المنفعلة – لقطع الطريق على مبادرات أخرى – يحمل في طياته مخاطر جمة تجعلها أقرب للفخ أو الكمين المنصوب بدهاء، منها إلى محاولة للتهدئة، وهذا النسق من الحركة السياسية المصرية في ظل الإدارة الانقلابية الحالية ليس جديداً، فقد سبق استخدامه كغطاء سياسي لمجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان نهضة مصر في الرابع عشر من أغسطس/ آب الماضي.

قبل المجزرة بيومين روجت آلة الإعلام الانقلابي لما عرف في وقته بمبادرة شيخ الأزهر لوقف التصعيد وإنهاء الاعتصامات، وقد حذرت في ذلك الوقت من أن الإعلان عن تحرك سياسى جديد لشيخ الأزهر يأتى متزامناً مع الإعلان عن الخطط والتحركات الأمنية لاقتحام اعتصامى رابعة العدوية ونهضة مصر وفضهما بالقوة من خلال ما يسمى خطة «حدوة الحصان والكماشة» والخوف كل الخوف من أن تكون ما تسمى «مبادرة الأزهر» كماشة سياسية أخرى يراد من طرحها أن يرفضها المتمسكون بالشرعية، فيظهرون أمام الجميع كمعطلين للحلول السلمية، ومن ثم لا ينبغي أن يعترض أحد على اللجوء للقوة فى التعامل مع الاعتصامات، ومن ثم يتوفر غطاء شرعي لارتكاب مجازر أخرى حال البدء فى شن حرب «الحدوة والكماشة» على المعتصمين.

وبالفعل أثبتت التجربة وقتها أن ما تم تسويقه في بازار السياسة وقتها كان كميناً وليس مبادرة، ومن هذه الزاوية يجدر النظر إلى ما تسعى الإدارة المصرية إلى تسويقه في الساعات الأخير في غلاف “مبادرة تهدئة” تلقفتها “إسرائيل” كهدية ثمينة، ثم جرت عملية إرهاب وتخويف للمقاومة الفلسطينية من مغبة رفضها، بما يجعلها مبادرة تم تصنيعها خصيصا لكي يتم رفضها، وبالتالي يتوفر غطاء “مصري للأسف” لجريمة حرب صهيونية على نطاق أوسع، يجري فيها استثمار حالة الحشد “شبه الرسمي” في القاهرة لمحاصرة المقاومة الفلسطينية وتأديبها.

إن منطوق المبادرة يكشف عن هبوط لمستوى الدور المصري إلى ما دون القاع، إذ تتحدث عن “أعمال عدائية” من قطاع غزة ضد الكيان الصهيوني، في الوقت الذي تدلل فيه جريمة الحرب الإسرائيلية وتختزلها إلى “أعمال عدائية” بالقدر ذاته، وأزعم أن هذه الصياغة المنحازة ضد ثوابت التاريخ والجغرافيا والدين والأخلاق لا ترقى حتى لتكون معبرة عن صيغة مشروع مبادرة من الاتحاد الأوروبي، أو الأمم المتحدة.

انتبهوا: مبادرة، أو بالأحرى هدية سلطات الانقلاب لسلطة الاحتلال، فيها سم قاتل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا