موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

عرسال: الحياة بين نارين

2

سعدى علوه – السفير

بالكاد تناول مصطفى عزالدين طعامه مع ضيوف دعاهم إلى إفطار عن روح أحمد، ابنه الذي قتله المسلحون في الجرود قبل نحو 15 يوماً. كان ابن الـ48 عاماً يؤدي ركعته الأولى حين دخل مسلحون ملثمون إلى منزله الترابي في قلب عرسال وأفرغوا أربع رصاصات في رأسه الملتصق بسجادة الصلاة.
بدم بارد ترك المسلحون مصطفى غارقاً بدمه على مرأى من أطفاله. خرجوا بصيحات “الله أكبر”، يطلقون النار في ليل عرسال وشوارعها.

قبل مصطفى بأربعة أيام، قتلوا ابنه أحمد لأنه رفض الركوع أمامهم. أعدم والده لأنه قصد المسلحين وتلاسن معهم، وربما أطلق النار باتجاههم. يومها خرج مسلح تونسي وقال له: “عد أيامك على أصابع يدك”، وهكذا كان. يقال أن الابن الثاني لمصطفى مهدد هو الآخر.

روت سيدة من عرسال بعض حال العائلة: “ارتاح مصطفى المشحر، كانت الحجارة تبكي ع صريخه ع أحمد”. كان الرجل يبكي ويبكي فيما يلتصق به صغاره. الصغار أنفسهم بقوا بلا معيل في منزل فقير مهدد بالسقوط “قد يأكلون يوماً، ولكنهم بالتأكيد يجوعون أياما”، تقول. السيدة نفسها روت عن الرعب الذي يعيشونه: “لا يتجرأون على الخروج إلى الشارع وحتى على النوم ليلاً”، كيف لا ورائحة الدم ما زالت تفوح من السجادة التي قتل عليها والدهم.

بكلمة واحدة تختصر السيدة المسنة قريبة مصطفى الحال: “نحن يلي استقبلناهم وفتحنا لهم بيوتنا… صاروا عم يقتلونا”.

القتل صار تفصيلاً في حياة العراسلة على ما يبدو. يقال إن المسلحين قد وضعوا قائمة من 17 عرسالياً لتصفيتهم ومن بينهم رئيس بلدية عرسال علي الحجيري. الرجل وصف يوماً أنه “رئيس جمهورية عرسال”، عندما قال أنه يسيطر على الجرود من القاع إلى سرغايا قرب الزبداني، هو نفسه العاجز عن اتخاذ قرار بلدي واحد يلتزم به “الضيوف” الذين صاروا تركة ثقيلة تفوق قدرة عرسال على تحملها بالمعنى الأمني والسياسي بالدرجة الأولى، والاجتماعي والاقتصادي بطبيعة الحال.

الحوادث لا تقتصر على القتل. بالأمس القريب تم إطلاق النار على حسين ديب الفليطي أمام منزله في عرسال وأصيب بالشلل. قبله أو بعده بأيام أصيب سليمان محسن بتسع رصاصات أثناء تصفية حسابات بين عائلتين سوريتين وأصبح مشلولاً اليوم أيضاً…

هذا بعض حال عرسال التي فتح أهلها دورهم للسوريين الذين يفوق عديدهم اليوم الـ150 الفاً ما بين نازح ومسلح. وحدهم القاطنون في جرود عرسال فقط يستهلكون يومياً ما يكفي لسد حاجة نحو ثلاثين الف نسمة، وفق ما يقول مختار عرسال عبد الحميد عزالدين. يتوزع هؤلاء طبعاً على عائلات نازحة ومسلحين، فيما يقول آخرون أن المواد الغذائية التي تعبر من البلدة لا تذهب إلى قاطني جرودها فقط، بل إلى جرود السلسلة الشرقية وصولاً إلى جرد سرغايا الملاصقة للزبداني في الريف الشامي.

الأمن المفقود

عرسال تختنق على الصعد كافة. لا تملك قرار أمنها لا في الداخل ولا مع المحيط، وبالطبع فقد أهلها القدرة على قطف ثمار أشجارهم، واقتلاع حجارة مقالعها في الجرود. وهي تعوم على مئات مجاري المياه الآسنة المتسربة من نحو ستين مخيماً للنازحين على الأقل، بما تتسبب به من أمراض. تعاني من نقص حاد في الكهرباء والمياه ومن اهتراء البنى التحتية.

يعيش “العراسلة” اليوم ما يشبه “حظر التجول الذاتي”، كما يقول أبو حسن البريدي. يقسم الرجل أنه لا يخرج من منزله إلا للضرورة القصوى. يقصد أبو حسن عادة مزرعته في الجرود مع بداية الصيف، ولا يعود إلا والثلج “فوق رأسه”، كما يتندر أصدقاؤه. بالأمس اشترى الرجل، وهو والد أوائل شهداء عرسال مع المقاومة الوطنية ضد الإسرائيليين، كيلو الكرز بأربعة آلاف ليرة لبنانية بينما “تتكسر أغصان” أشجاره به هناك على الحدود مع الجرود السورية. يهز الرجل رأسه بحسرة بينما يعلو هدير الطائرة الحربية التي تقصف المسلحين في عمق السلسلة الشرقية ما بين لبنان وسوريا.

بلا مرجعية

كل هذا ولا مرجعية سياسية واحدة تمسك بزمام القرار في عرسال، وفق ملحم الحجيري الذي يخشى أن يعمد المسلحون إلى مصادرة عرسال البلدة مع مرور الوقت واشتداد الحال في الجرود.

الجيش بعتاده وعديده، وانشغاله بضبط الأمن على كامل رقعة الوطن، لا يمكنه القضاء على المسلحين أو مواجهتهم بالقوة الموجودة في عرسال، وطبعاً في الجو السياسي العام في البلاد. تيار المستقبل الذي حاول استقطاب عرسال بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري لم يقدم لها شيئاً لا في التنمية ولا في السياسة، لا بل إن خطاب الرئيس سعد الحريري ومواقفه مما يجري في سوريا زادت من مراهنات بعض المتاجرين بالثورة السورية وسعيهم لأخذ البلدة إلى ما هو غريب عن تاريخها ومحيطها. بالمقابل، يعترف بعض العقلاء في عرسال، ويحذرون من نجاح المسلحين في استقطاب بعض الشباب من عرسال، مع الإشارة إلى انه لم يسقط شاب عرسالي واحد في المعارك التي دارت سواء في سوريا أم حتى في الجرود.

يقول علي الحجيري إن من يسكن الخيمة اليوم “سوف يحولها مع الوقت إلى غرفة اسمنتية. بعد بعض الوقت سيبني فوقها غرفة لأبنه الأول ومن ثم ثانية لابنه الثاني، وهكذا إلى نصل إلى مخيمات على غرار المخيمات الفلسطينية في لبنان”.

هذا بسيط أمام شعور أهالي عرسال أن “القتل صار تفصيلاً صغيراً في حياة الناس”، وفق عبد العزيز الفليطي. بالأمس، “كانت عائلتان سوريتان تصفيان ثأراً قديما بينهما في طرقات عرسال، قتل سوري وأصيب آخر بجروح بليغة ومعه عرساليان اثنان”. قبله بأيام تمت تصفية سوري على دراجة نارية فقتل مع عرسالي آخر كان برفقته. أما قبل ثلاثة ايام فقد صدمت سيارة سورية عرسالي على دراجة نارية، ولاذ السائق بالفرار.

تقع هذه الحوادث في خانة “القضاء والقدر حتى الآن”، ولكن اعتداءات المسلحين ليست كذلك بالتأكيد. يروي أحد أبناء عرسال قصة ابن بلدته الذي يعمل معه. كان الأخير في طريقه إلى عمله في الجرود عندما أوقفه مسلحون على حاجز طيار. كان العرسالي بصدد تدخين سيجارة يعتبرها بعض المسلحين “حراماً” أو ممنوعة عندما سألوه باستنكار “وكمان بتدخن”؟. “أنا حرّ أفعل ما أريد”، قال. أجابوه “إكراماً لأبيك المسن فقط لن ترى ما لا يرضيك”.

حاجز طيار آخر أوقف عرسالياً ثانياً في الجرد وطلب هويته، وأسمعه عناصره كلاماً قاسياً لأنه قال لهم: “أنا في أرضي ولا أحتاج لأوراق ثبوتية أقدمها لأحد”.
يقول ملحم الحجيري إن أهل عرسال ينامون على مشكلة ويصحون على أخرى مختلفة “أصبح يلزمنا مفكرة لتسجيل الحوادث، لم تعد ذاكرتنا تتسع لما يحصل”. حَوَّل المسلحون طرقات عرسال إلى ما يشبه “أفلام هوليوود: تبادل لإطلاق النار وسيارات بزجاج مغطى ورجال بأقنعة سوداء، ونحن لا نعرف أحداً من أحد”.

قبل أيام قصد مزارع عرسالي بستانه في الجرود ليجد المسلحين يعيشون في منزله. طلب منهم الرجل، وبكل تهذيب إخلاء البيت ليصطحب عائلته لجني محصوله. بعد أيام عاد ليجدهم وقد نصبوا مخيماً حول المنزل، بادروا إلى تهديده وطرده من رزقه.

اختناق

اختناق عرسال محكم من أكثر من ناحية. تمشي في البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو أربعين ألف نسمة، بصعوبة. بالكاد تتحرك إطارات الآليات التي تجوب أزقتها الضيقة. عشر سيارات سورية أو بلا نمر وبزجاج داكن تعود لنازحين أو مسلحين في مقابل سيارة عرسالية واحدة. سبع محلات، على اختلاف أنواعها، من المطاعم إلى محلات الألبسة إلى الميكانيكي والسنكري…في مقابل دكان عرسالية واحدة. أما العمال فحدث ولا حرج. خسر مئات الشبان في عرسال عملهم لمصلحة السوريين الذين يتقاضون أجراً أقل. وليس وفد معلمي البناء الذي زار رئيس البلدية مؤخراً مطالباً حصر عمل السوريين مع “المعلمين” اللبنانيين ومنع تعهدهم الورش لوحدهم، سوى ترجمة للضيق الذي يعاني منه القطاع. رئيس البلدية نفض يده وقال إن الأمر خارج عن سيطرته.

في الاقتصاد أيضا، فقدت عرسال محصول نحو خمسة ملايين كعب كرز ومشمش والقليل من التفاح. يبدأ موسم ثمار الجرود عندما ينخفض الإنتاج في كل لبنان فيباع كيلو الكرز بألفين إلى ثلاثة آلاف ليرة بـ”أرضه”. اليوم حُرم العراسلة من مواسمهم التي كانت تستمر لغاية أوائل أيلول. مع البساتين صارت نحو خمسة وعشرين مقلعاً حجرياً ممنوعة على مالكيها، وفق ما يؤكد محمد رايد.

هذا غيض من فيض الحياة اليومية في البلدة. أما إرهاب المسلحين من تفخيخ للسيارات والأحزمة الناسفة وإرسالها إلى المناطق الشيعية، مروراً بإطلاق الصواريخ على البلدات والقرى المحيطة بعرسال، وصولاً إلى المواجهات في الجرود ومحاولات تسللهم إلى بعض القرى القريبة، فتتسبب بخنق عرسال بطريقة أخرى. تعيش البلدة توتراً ليس جديداً مع محيطها. يريد أهل عرسال من أهالي القرى أن يتفهموا أن أمر المسلحين وضبطهم خارج عن قدرتهم وسيطرتهم. لا ينكر أحد أن قلة من أهالي عرسال، وبالتحديد الفئة التي تاجرت بـ”الثورة السورية” واستفادت منها قد انخرطت في أنشطة مع المسلحين. لكنهم يرفضون محاكمة البلدة جماعياً. يرون أن الحل بيد الجيش اللبناني والدولة اللبنانية “فلتتفضل وتنهي الحالة الشاذة برمتها”. يطالبون القوى السياسية في المنطقة العمل على تهدئة الأوضاع “لا يمكن تحميلنا مسؤولية سقوط الشهداء”، في إشارة إلى تعرض أبناء عرسال إلى مضايقات، كما قالوا، في قرى سقط منها شهداء في المواجهات مع المسلحين.

يتحدثون عن إهانات واعتداءات يتعرضون لها على الطريق من عرسال وإلى المناطق اللبنانية كافة. يروون قصة العرسالي الذي أنزله مسلحون على الطريق بين اللبوة وعرسال وأطلقوا عليه النار في كتفه وبطنه ليرقد في المستشفى في حال دقيقة. يقولون إنهم يتعرضون لإهانات ولـ”تشليح” وغيره من التجاوزات. يعرضون بيانات تصلهم مهددة بينما يضعونها هم في إطار تأجيج الفتنة بين الأهل.

شائعات لشد العصب الطائفي

كل هذا لا يلغي موقف بعض أهالي عرسال مما يجري، والذي يشي بالانقسام المذهبي الحاد في البلاد، ومعه الموقف من “حزب الله” وقتاله في سوريا، وطبعاً الاستنفار في حال حصول مواجهات داخل جرود عرسال. ومع ذلك يقول عقلاء البلدة ومعها أهلها إنهم يريدون “العيش بسلام مع أهلهم وجيرانهم وأقاربهم في المحيط” مؤكدين أن عرسال لا يمكن أن تنسلخ عن محيطها.

يقول خالد البريدي إنه لا يعتقد أن “حزب الله” قد يقاتل في داخل جرود عرسال “إلا بتوافق سياسي لبناني”، معتبراً ان “القول بدخول الحزب إلى جرودنا هو لشدّ العصب المذهبي”. وشدّ العصب المذهبي يمارسه الطرفان برأي البريدي “وهو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة الخطرة، ومكّن المسلحين من التحكم بمسار الأحداث وبما يجري”.

يقول خالد البريدي وعبد العزيز الفليطي والمختار عبد الحميد عزالدين إن عرسال وأهلها غير قادرين على مواجهة القوى المسلحة، ولا يريدون حتماً مواجهة أهلهم وجيرانهم”، ليؤكدوا أن إنهاء الوضع الشاذ في عرسال وجردها هو من مسؤولية الجيش والقوى اللبنانية والدولة”. ويدعون إلى “حوار ولقاءات بين عرسال وجيرانها لحل الخلافات والتأكيد على ما يكنه الطرفان من نوايا لا سيما حسن الجيرة والقرابة والعيش كأهل كما كنا دائماً”.

من جهته، يربط حسين البريدي بين ما يجري في عرسال وبين “الحل الإقليمي العام”، مشيراً إلى أن العرسالي اليوم يجد نفسه في الموقع الأضعف “فالجرد مقفل علينا وطرقاتنا مليئة بسيارات النازحين والمسلحين، لا نشعر بالأمان على طريقنا نحو باقي المناطق اللبنانية، وما بين هذا وذاك وتلك نحن مخنوقين بكل ما تحمل الكلمة من معنى”.

يرى منسق تيار المستقبل في عرسال بكر الحجيري أن ضبط المجموعات المسلحة يحتاج إلى ألوية من الجيش والعسكر، وأن حال عرسال من حال لبنان كله اليوم. يقول الحجيري إن التيار، وهو شخصياً، عملا على تكريس لغة العيش مع المحيط، وكان واضحاً في خياره في رفض أي دعوة لتسليح أهالي عرسال للدفاع عن أنفسهم”. ويحرص الحجيري على التأكيد على “وجود لغة غالبة بين العراسلة اليوم ترفض المواجهة مع المحيط، وتتمسك بالعيش مع مختلف مكونات المجتمع اللبناني وانتماءاته”.

أما رئيس بلدية عرسال علي الحجيري فيربط ما يجري في عرسال بكل لبنان “إذا حصل أي شيء في عرسال فلبنان كله معرض من طرابلس إلى بيروت إلى صيدا وصور وغيرها من المناطق”. يؤكد الحجيري على عدم رغبة أي عرسالي بالمواجهة مع محيطه، مؤكداً أن عرسال تخاف على الجيش من أي استهداف.
وعلى خلفية وصول بيانَي تهديد موقَّعَين باسم أهالي بريتال وأهالي نحلة إلى عرسال، ينفي رئيسا بلدية بريتال عباس إسماعيل ونحلة علي يزبك صدور هذين البيانين عن البلدتين. ويؤكد إسماعيل أن “أهالي عرسال أهلنا ودمنا دمهم وأمنهم أمننا وأن لبريتال مرجعية رسمية تتحدث باسمها”، فيما يؤكد يزبك أن الشائعات والبيانات المزورة هي لزرع الفتنة والإيقاع بين أهل المنطقة.

إنشقاق أو خطف؟

أفاد مراسل “السفير” في الهرمل بأن معلومات تتحدث عن قيام مجند في الجيش (ع.س، من بلدة حلبا في عكار) بالالتحاق بـ”جبهة النصرة” في عرسال، وقد استولى على ثلاث بنادق (M16) ومنظار وجهاز لاسلكي.

في المقابل، تردد أن عناصر من المجموعات المسلحة المنتشرة في السلسلة الشرقية خطفوا المجند من نقطته العسكرية القريبة من بلدة عرسال في البقاع الشمالي.

المسلحون

يراوح عديد المسلحين السوريين والأجانب في جرود سلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود مع سوريا بين 5 آلاف و12 ألفاً. ينتشرون في الجرود من أعلى بلدة القاع على حدود جوسيه السورية ولغاية جرود بلدة معربون على حدود بلدة سرغايا الملاصقة لمنطقة الزبداني في ريف دمشق.

يمتلك المسلحون مضادات “23 ملليمتراً” ويتم استعمالها ضد الطيران السوري الذي يقصف الجرود وفي المعارك الأرضية. ولديهم راجمات صواريخ غراد يتجاوز مداها عشرين كيلومتراً، بالإضافة إلى أسلحة فردية ثقيلة.

يُعتبر المسلحون الأجانب العصب الديني لمجموعات المسلحين وقادتهم. فالتمويل يأتي مباشرة إليهم حرصاً على استمرار الإمساك بقرارهم وكيفية تحريكهم. انضم مزيد من المسلحين في “جبهة النصرة” وغيرها من التنظيمات إلى “داعش” مؤخراً. وبالإضافة إلى “داعش” و”النصرة” هناك “كتيبة الفاروق” و”لواء الإسلام” و”لواء البراء”. ويشكل بعض المسلحين مجموعات محسوبة على هذا التنظيم أو ذاك، كما احمد يوسف أمون وأبو حسن الفلسطيني وغيرهما.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا