موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

مَغاوير “حماس” خلف الخطوط الاسرائيلية…

ناجي س. البستاني – النشرة

أظهرت الحرب المستمرّة منذ أكثر من أسبوعين بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حركتي “حماس” و”الجهاد” الفلسطينيّتين مجموعة من الوقائع، أبرزها:
أوّلاً: لم تستطع كل الغارات التي نفّذها الطيران الإسرائيلي على قطاع غزّة وقف عمليّات إطلاق الصواريخ، وإن كانت كثافتها تراجعت بعض الشيء، في دليل جديد على فشل كل الجهود الإستخباريّة التي تبذلها إسرائيل لكشف مخازن هذه الصواريخ ومواقع إطلاقها ثم تدميرها، وعلى تطوّر قدرة المقاومة الفلسطينيّة على إستخدام مئات الصواريخ القصيرة والمتوسطة وحتى الطويلة المدى بأقلّ خسائر ممكنة في صفوفها. وبالمقارنة بمواجهات سابقة، خاصة تلك التي وقعت في العامين 2008 و2012، يمكن القول إنّ قدرة حركة حماس الصاروخيّة تطوّرت بشكل واضح في الفترة الأخيرة، ما يُشير إلى دور حاسم في تهريب الأسلحة والمعدّات من مصر، في عهد الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي الذي إستمرّ من 30 حزيران 2012 حتى 3 تموز 2013، على الرغم من كل ما يُقال ويُكتب عن منشأ صنع هذه الصواريخ.

ثانياً: تطوّر نوعية الأنفاق التي حفرتها حماس، بحيث صارت أكثر عمقاً من السابق، وأكثر طولاً أيضاً، مع إعتماد أكثر من مدخل ومخرج لها للتمويه، ومع وصول بعضها إلى ما وراء الدفاعات الإسرائيلية الأمامية، وإلى مسافة أمتار من مستعمرات مأهولة بعدد كبير من الإسرائيليّين. وإرتفع عدد هذه الأنفاق بشكل واضح أيضاً، علماً أنها صارت بأغلبيتها مزوّدة بوسائل صمود لفترة طويلة، إن على مستوى الأسلحة والذخائر أو على صعيد مخزون الطعام. وعلى الرغم من تمكّن القوات الإسرائيليّة من كشف وتدمير العديد من هذه الأنفاق، فإنّها لا تزال بعيدة من القضاء على البنية التحتية لحماس، والتي تتمثّل بشبكة مراكز ومخازن أسلحة وصواريخ على عمق يصل في بعض الأحيان إلى 20 متراً تحت سطح الأرض، ومزوّدة بكاميرات تصوير وبشبكة كهربائية وحتى بسكك حديدية صغيرة لتسريع عمليات نقل المقاتلين والمعدّات.

ثالثاً: تمكّن المقاومة الفلسطينيّة من تنفيذ أكثر من عمليّة تسلّل خلف خطوط العدو عبر شبكة أنفاق تمتد من مناطق تحت السيطرة الفلسطينية إلى عمق المستعمرات الإسرائيليّة (*). وعلى الرغم من أنّ أنظمة المراقبة الإسرائيلية المتطوّرة تمكّنت من كشف أغلبيّة عمليّات التسلّل هذه، وتمكّنت من قتل العدد الأكبر من المتسلّلين، إلا أنّ هؤلاء المقاومين كسروا القواعد السابقة للمواجهات بين الطرفين، وأثاروا أجواء رعب في الكثير من المستعمرات القريبة من قطاع غزّة، وأربكوا الوحدات الإسرائيلية التي باتت تخشى النيران من الجهة الخلفية، ومن مقاتلين يرتدون نفس البّذات القتالية. وأظهرت الإشتباكات التي دارت في أكثر من موقع متقدّم، بين قوات النُخبة في حماس والجيش الإسرائيلي، الجهد الذي بذله قائد أركان كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مروان عيسى، لتطوير قدرات قوات “الكومندوس” الفلسطينية ولرفع نوعية عمليّاتها، علماً أنّه يؤمن شخصياً بالأثر المعنوي الكبير لأي عمليّة للمقاومة الفلسطينيّة خلف الخطوط الاسرائيلية.

رابعاً: على غرار العمليّات السابقة، الخسائر البشريّة والمادية هي في الجانب الفلسطيني أكبر بأضعاف من الخسائر في الجانب الإسرائيلي، نتيجة الفارق الكبير في القدرة النارية الهجومية بين الطرفين، وكذلك نتيجة الفارق الكبير في وسائل الحماية المتوفّرة للإسرائيليّين والتي تتراوح بين الملاجئ الكاملة التجهيز ونظام “القبة الحديديّة” لتفجير الصواريخ في الجوّ، في مقابل إنعدام مقوّمات الصمود اللوجستي للمدنيّين الفلسطينيّين، مع تسجيل إستفادة المقاتلين منهم من بعض التحصينات المحدودة تحت الأرض.

خامساً: إنقسام المحلّلين بين من يعتبر أن إسرائيل إنهزمت بمجرّد فشلها في تحقيق أهداف عمليّتها العسكرية، وسقوط العديد من القتلى في صفوف جيشها، ومن يعتبر أنّ الفلسطينيّين خسروا نتيجة جسامة خسائرهم البشريّة والمادية مقارنة بالخسائر الإسرائيليّة، على الرغم من إظهارهم قدرة إستثنائية على الصمود والمقاومة في ظلّ عدم تكافؤ على مستوى الإمكانات. حتى أنّ إعتبار بعض المحلّلين أنّ من بين حسنات حرب غزّة، عودة السخونة إلى علاقات حماس مع “محور المقاومة”، يقابله رأي آخر يقول إنّ هذا التحسّن في علاقات حماس هو تماماً ما يريده اليمين الإسرائيلي المتشدّد، للحفاظ على عصب شعبيّته الداخليّة، وعلى مبرّرات إستمرار مشاريعه الإستيطانيّة، ومعارضته الدائمة لأي تنازلات في جولات التفاوض.
في الخلاصة، إنّ تحديد الخاسر والرابح في معركة غزّة 2014 مرتبط ببنود إتفاق التسوية التي تتكثّف الجهود لإبرامه، علماً أنّ المقاومة الفلسطينيّة لا تزال تتقدّم بالنقاط حالياً على الإسرائيلي، على الرغم من جسامة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالفلسطينيّين مقارنة بتلك التي طالت إسرائيل. وتقدّم المقاومة الفلسطينية هو لجهة القدرة على الصمود والمواجهة، وحتى على مفاجآت الجيش الإسرائيلي بعمليّات أمنيّة نوعيّة. وكل ما سبق يجعل كل “محور الممانعة” في موقع المدين بالإعتذار من حماس على كل تهم العمالة والخنوع التي ألصقها بها في السنوات الأخيرة، فقط لأنها خرجت عن التعليمات الإيرانية ووقفت ضد إستمرار حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

(*) في تشرين الأوّل 2013، إكتشفت إسرائيل نفقاً بطول كيلومترين ونصف يبدأ من أحد منازل مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة وينتهي في حقل زراعي في مستعمرة العين الثالثة الإسرائيليّة، وهو أطول نفق مكتشف حتى تاريخه.

قد يعجبك ايضا