موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

نتائج الإمتحانات الرسمية في لبنان 2018

خوف في القاع ورأس بعلبك والفاكهة والجديدة

5

بعد عشرين عاماً على اقتناء جورج، ابن بلدة الفاكهة البقاعية، بندقية ورثها عن أبيه، أخرجها. “زيتّها، وتفقدت خرطوشها”، يقول. لم يكن لديه سوى تسع رصاصات. ابتاع مئتي رصاصة إضافية ووضعها مع البندقية في الخزانة القريبة من سريره. “يلي ما بيعمل حسابه بيكون غبي ومتمسح”، يقول الرجل الذي قدرت امرأته، وللمرة الأولى، بعد نحو ربع قرن على زواجهما، هوايته بالصيد “ع القليلة إذا قوص بيصيب”، تقول وهي تضحك بسخرية.

سلوك جورج مستجد على خلفية الأوضاع في منطقة البقاع الشمالي، وبالتحديد وجود آلاف المسلحين في جرود عرسال وسلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود مع سوريا. بيان “لواء أحرار السنة” الذي هدد الكنائس والمسيحيين في المنطقة ترك أثره في نفوس كثيرين. أما الروايات “والسيناريوهات” المتناقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لاحتمالات اقتحام القرى التي يسكنها مسيحيون فكثيرة.

يشير جورج إلى أن بعض الأهالي في الفاكهة يتجنّبون المجيء إليها حالياً أو على الأقل قللوا من “طلاتهم”. هو لن يغادر: “خلقت هون وكبرت هون، وبدي موت هون”.

لم يُعرف عن أهل الفاكهة، سواء من المسيحيين أو السنة، حملهم السلاح، “ولكن الجميع تفقد سلاحه، ومن لا يملك قطعة اشترى واحدة وإن كان مسدساً”، وفق جورج. يرى أن الخطر ليس من أهل المنطقة على بعضهم البعض، وإنما من المسلحين.

لكن التسلح الفردي لا يطغى على الحياة. فرأس بعلبك والفاكهة والقاع والجديدة عاشت عيدي مار الياس ومار شربل بكل ما تحمل الكلمة من معنى. يقول ناجي نصرالله، ابن “الراس”، إن التسلح موجود “وهو خفيف وفردي للدفاع عن النفس، ولكن التهديدات التي أطلقت باتجاه مسيحيي المنطقة تركت أثراً عكسياً. كانت ساحة البلدة تعج بأهلها وأهل المناطق المحيطة لإحياء المهرجان الثقافي والأعياد الدينية، وهذا فعل حياة لن نتخلى عنه”.

مع ذلك يسود القلق في قرى القاع ورأس بعلبك والفاكهة والجديدة، خصوصاً أن جرد عرسال، بما يختزنه من مسلحين، يمسك بمرتفعات بلداتهم وجرودها. هناك يقع جزء كبير من أراضيهم الزراعية ومن مقالعهم ومناشر الحجر ومن بساتين أشجارهم المثمرة، والأهم أنه على قاب قوسين وأدنى من منازلهم.

هذا القلق لم تعشه المنطقة في أوج الحرب الأهلية اللبنانية. وعلى مدى نحو عشرين عاماً من التقاتل الطائفي في البلاد، لم يتعرض مسيحيوها، وفق ابن رأس بعلبك الوزير السابق ألبير منصور، لأي مضايقات.

يقول منصور إن شيعة المنطقة يرفعون نذورهم إلى كنيسة السيدة في البلدة “حتى أن لدير “الراس” الذي آوى السبايا من أهل البيت، معزة خاصة واحتراماً كبيراً في نفوسهم”.

يتوقف منصور عند تركيبة أهالي عرسال الوطنية والعروبية تاريخياً، “لذا ظل جوها بعيدا عن أي صراع طائفي ومذهبي”، ليستبعد أي مواجهة على خلفية طائفية بين أهل المنطقة”.

في المقابل، يؤكد منصور أنه “بعد خمسين سنة على اختلاطي بالمنطقة وبناسها، أشعر للمرة الأولى بهذا الكم من المذهبية”. مذهبية ساهم في تكريسها، وفق منصور، الخطاب السياسي الذي تلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما تلاه من أحداث وصولاً إلى الحرب في سوريا.

وفي خضم اللوثة المذهبية، يلحظ منصور بعض التضامن في المنطقة مع أهل عرسال في معاناتهم من الاعتداءات التي يمارسها المسلحون عليهم “من الجيد أن يتفهم الأهالي أن عرسال تعاني من المسلحين أيضاً، وأن الذين يقفون معهــم لا يشكلون نسبة تذكر من أهل البلدة”.

بدوره، يعدد ناجي نصرالله بعض الحوادث التي ساهمت في زرع القلق في نفوس أهالي “الراس” والمنطقة. فإلى جانب الصواريخ التي سقطت من الجرود على البلدة وخراجها، وقعت في الأشهر السبعة الأخيرة حوادث عدة جرى حلها عبر “العراسلة” وبوساطتهم. قتلت سيدة ثمانينية على خلفية سرقة منزلها، ثم خُطف ابن البلدة جورج يشع وهوجمت منشرة لعائلة نصرالله وخطفوا ثلاثة عمال منها، كما صودر قطيع من الماعز لآل شعبان. بعدها سُرقت آليات تابعة لكسارة أحد أبناء المنطقة وطلب المعتدون خمسين ألف دولار أو تحرير سجناء من روميه. ومؤخراً، خطف الشاب مخول مراد وخرج بفدية راوحت بين 30 و50 ألف دولار أميركي. ولكن، اقتصر أثر ما يحصل على التخوف والقلق والحذر و”لم يصل إلى درجة نزوح الأهالي عن بلداتهم”، وفق نصرالله.

يرد الوزير السابق ألبير منصور انخفاض عديد المسيحيين في قراهم إلى الأسباب التنموية والاقتصادية، “مثلهم مثل بقية أهالي المنطقة، يهاجرون وينزحون نحو المدن طلباً للعلم والعمل وحياة أفضل، ومع ذلك يعود الجميع ليبني بيتاً في البلدة”.

يصل عدد المسيحيين في رأس بعلبك والقاع والفاكهة والجديدة إلى نحو 22 إلى 25 ألف نسمة. بعضهم، وخصوصاً في القاع نقلوا سجلات نفوسهم (نحو ألف نسمة) إلى مناطق أخرى خلال الحرب لارتباط العديد منهــم بأحزاب يمينــية كانت على خلاف مع محيطهم.

اليوم، وعلى خلفية ما جرى مع المسيحيين في سوريا وخصوصاً في العراق، يسجل منصور تفاقم قلق الناس من المسلحين المتطرفين. في المقابل، هناك “اطمئنان للجو الشيعي”، يقول، ليضيف: “لو أن حزب الله غير موجود لوجب اختراعه، لأن وجوده يشــعر أهل المنطقة بالأمان في وجه هذا الجسم الغريب على سنة وشيعة ومسيحيي المنطقة”.

القاع واحتمالات التسلل
على مرمى حجر من الحدود السورية من ناحية جوسيه، يجلس عيد مطر في بلدته القاع ليربط مخاوف أهلها بوضع المنطقة ككل “طبعاً هناك قلق عند أهالي المنطقة الواعين، نترك شبابنا يعيشون حياتهم لنترقب ما سيحصل”. يشير مطر إلى حرص رجال القاع على أمنها بالتعاون مع الجيش اللبناني و”سرايا المقاومة”، “كذلك تفعل البلدية”. الجو الذي يصفه مطر بـ”المضغوط” لم يؤدِّ إلى نزوح الأهالي الذين قصدوا البلدة لقضاء الصيف، ومع ذلك “هناك بعض من أحجموا عن القدوم مثل كل عام، واقتصر حضورهم على المناسبات”.

يسجل مطر قيام بعض أهالي القاع بالطلب من بعض الأحزاب منحهم سلاحاً للدفاع عن النفس، “وبعضهم يشتري من حسابه الخاص”.

مع سيطرة النظام السوري على منطقة جوسيه ومحيطها في ريف القصير وصولاً إلى الحدود مع جرد عرسال، ارتاحت القاع، و”تقاعدت” منطقة مشاريع القاع، وعليه ارتاح مزارعو البلدة كونها تشكل مصدر رزقهم الأساسي، إضافة إلى الوظائف والسلك العسكري.

وصل القلق بأهالي القاع إلى تحديد ثلاثة أماكن يخشى أن يتسلل منها المسلحون إلى بلدتهم وهي وادي رافق ووادي الدمينة ووادي بعيون أو نعمات. مع ذلك، يطمئن الأهالي إلى انتشار الجيش وتعزيزه في بعيون والدمينة وتنفيذه كمائن في المناطق التي تشكل خطراً، وتمركزه في منطقة بعيون. ويتخوف البعض من تمركز المسلحين في نهاية الدمينة حيث يوجد وادي الكاف وفيه كهف كبير. ومع انحسار جرد القاع مع جرود عرسال، يرى عيد أن الخوف الأكبر هو من امتداد الجرد في راس بعلبك والفاكهة نحو جرود عرسال بسبب المسلحين المتمركزين هناك وليس بسبب العراسلة أنفسهم.

وفعلاً، يستشعر أهــالي الفاكهة ـ الجديدة الخوف نفسه. يقول حســان سكــرية إن الشائعــات هي التي تفاقم الوضع الأمني المتوتر. يعطي مثلاً عن ابنته القلقة التي تبلغ من العمر 17 عاماً “كل يوم بيوصل لها ع الواتس آب رسالة تقلقــــها وتمنعها من النوم”. آخر هــذه الرســائل تحدثــت عن اندلاع المعــركة في المنــطقة انطلاقاً من الفاكهة نفسها واتخاذها مركزاً لإمارتهم الإســلامية كونها تشكل نقطة حساسة لقطع أوصال الهرمل والراس والقاع عن باقي قرى البقاع الشمالي.

من جهته، يشير الدكتور فؤاد سكرية إلى التوتر الموجود بين أهالي الفاكهة أنفسهم “بعضهم متعاطف مع حزب الله، وبعضهم يؤيد الطرف الآخر، ولكن ليس المسلحين المتطرفين بالطبع”. ويروي سكرية سيناريو عن السعي لوصل الجرود من الزبداني إلى مشاريع القاع “ويقولون إن الفاكهة هي الخاصرة الأضعف لتسجيل اختراق في المنطقة كونها غير مسلحة”.

يروي الدكتور فؤاد محي الدين عن المعلومات التي وردت إلى أهالي الفاكهة ـ الجديدة عن تسلل عناصر من “داعش” إلى منطقة خرخونة في جرود الفاكهة “يومها أخلى بعض سكان الأطراف منازلهم إلى أن جاء الجيش وكثف دورياته وطمأن الناس”. وعليه، يرى أن الحل هو بالدولة القوية لأنها “وحدها التي تطمئن الناس إلى حياتهم واستمراريتهم”.

يؤكد ابن الفاكهة والمقرب من “تيار المستقبل” احمد محي الدين وجود متعصبين من الطرفين في المنطقة “ولكن غالبية الأهالي يرفضون التطرف والإخلال بالأمن”. وبعدما يؤكد على شعور السكان بالخوف من الوضع، يرى أن اختلاف الآراء، ومنها حول ما يحدث في سوريا يجب أن يبقى في المنطقة على قاعدة الاحترام وعدم التصادم. ويرى أن أهل المنطقة من سنة وشيعة ومسيحيين قلقون من المسلحين الذين لا يميزون بينهم على قاعدة أن “كل من ليس معي هو ضدي”. وبعدما يشدد على علاقة الفاكهة وأهلها بجوارها، يلفت إلى ضرورة ضبط بعض المظاهر المسلحة التي يلجأ إليها البعض “إذا كان هناك تحركات لحزب الله لحفظ الأمن في المنطقة فلتكن بالتنسيق مع الجيش والأهالي، ووفق خطة أمنية واضحة تطمئن السكان لنميز بينهم وبين الشبيحة كي لا نقع في فخهم”.

ولكن الصورة الأكثر تشاؤماً يرسمها مختار الجديدة فارس الخوري: “نعم أنا متشائم جداً برغم وجود حزب الله وسرايا المقاومة وتعاونهما مع الأهالي وخصوصاً المسيحيين”. يخاف الخوري، على “الوجود المسيحي، فها نحن نرى ماذا حلَّ في الموصل ومسيحييها”. يطالب الخوري بوقف تمويل المسلحين و”خصوصاً من الدول الخليجية وتركيا”، ليقول إن المسلحين ومموليهم لم يسمعوا، على ما يبدو، بما يحصل في غزة، فليذهبوا للقتال هناك وليس هنا”. ويرى أن لا حل لقلق المسيحيين إلا بخروج القادة الإسلاميين والدول في المنطقة للقول إن “الوجود المسيحي خط أحمر ولا يمكن المس به”. وباللغة التشاؤمية نفسها، يعرب الخوري عن تخوفه من استهداف مسيحيي المنطقة، ما يؤدي إلى تهجيرهم: “لن نترك أرضنا ومنازلنا وأرزاقنا وأهلنا، نحن هنا قبل الآخرين وسنبقى”.

(سعدى علوه – السفير)

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا