موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

كيف جنَّب الجيش لبنان الفتنة؟ وماذا حققت معارك عرسال؟

سعاد مارون – الجمهورية

حقَّق الجيش اللبناني إنجازاً في المعركة التي خاضها ضدّ الإرهاب في عرسال، بفضل بسالةِ ضبّاطه وعناصره الذين ألحقوا الهزائمَ بالإرهابيّين، وحكمةِ قيادته التي جنَّبت لبنان حربَ استنزاف طويلة، وفتنةً كانت لتمتدّ على مساحة الوطن.

كشَفت التحقيقات مع قائد «لواء فجر الإسلام» الموقوف لدى مخابرات الجيش، عماد جمعة، حجمَ المؤامرة التي كانت تُحضّر للبنان، قبل أن يُحبطَها الجيش في معركته مع المجموعات الإرهابيّة التي كانت متحصّنة في جرود عرسال وبين أهلها.

وفي هذا الإطار، يؤكّد مصدرٌ عسكري رفيع لـ«الجمهورية»، أنّ الثمن الذي دفعه الجيش من دماء الشهداء والجرحى في معركة عرسال، كان أقلّ بكثير من الثمن الذي كان سيدفعه لبنان، لو نجح مخطّط «داعش» ومَن وراءها.

ويكشف المصدر أهداف الإرهابيّين من معركة عرسال بالآتي:

1- الإنقضاض على كلّ المراكز العسكرية في البلدة وربطها بالأراضي المحتلة.
2- إحتلال عرسال وسلخها عن لبنان، بهدف ضمّها الى الأراضي السورية المحاذية التي يسيطر عليها الإرهابيون، لتأليف إمارة إسلامية.
3- إفتعال فتن مذهبية بعد احتلال عرسال مع القرى المجاورة ذات الغالبية المسيحيّة (رأس بعلبك) أو الشيعيّة (اللبوة).
4- جرّ الحرب الطائفية الى بقية المناطق اللبنانية، مثلما يحصل في العراق، مستفيدين من الجوّ الطائفي المشحون في البلاد.

ويوضح المصدر أنّ قيادة الجيش، أيقَنت منذ الساعات الاولى للمعركة، أنّ عرسال رهينة في أيدي المجموعات الإرهابية، ما يَعني في لغة الحرب أنّ الجيش يواجه معركةً غير تقليدية، ساحتها بلدة مأهولة بـ35000 لبناني و120 ألف نازح سوري، مقابل أعدادٍ كبيرة من الإرهابيين الذين أطبقوا على مراكز للجيش وقوى الأمن، وأسروا عناصر منهما في هجومٍ مباغت.

خياران امام الجيش

وأمام هذا الواقع يلفت المصدر إلى أنّه كان أمام الجيش خياران لا ثالث لهما:

1- مقاتلة الإرهابيّين ببسالة، مقدّماً نموذجاً فريداً بين الجيوش العربية التي تهاوت أمام «داعش» وفرَّ عناصرها وتشتَّتوا، في وقت استبسل ضباطه وعناصره للدفاع عن مواقعهم حتى استعادتها، على رغم التفاوت الكبير في العديد والعتاد مع العدوّ، وظروف المعركة غير التقليدية.

2- القبول بحقن دماء أهالي عرسال الذين أخذهم الإرهابيون رهينة، ووضع حدٍّ لحربِ إستنزافٍ طويلة الامد يُتوقّع أن تأخذ معها أرواحاً بريئة من المدنيين والعسكريين، وتُكبّد البلاد فتنة لا يُعرف أين تنتهي وكيف.

كيف انطلقت المعارك؟

ويوضح المصدر أنّ المسلّحين كانوا موجودين قبل المعركة بأعداد كبيرة داخل عرسال ويتحصّنون في مخيّمات اللّاجئين، ويستفيدون من الجغرافيا الوعرة للمنطقة ومن استحالة ضبط حدودها نسبةً الى الإمكانات اللوجستية المحدودة للقوى الشرعية.

وإثر توقيف جمعة على أحد حواجز الجيش يومَ السبت الماضي، إنطلقت مجموعة مؤلّفة من 500 إرهابي من مخيمات اللّاجئين في البلدة، ونفّذت هجوماً مباغتاً على مركز فصيلة درك عرسال لتأسر 17 عنصراً في محاولة لقلب المعركة لصالحها.

عندها دارت إشتباكات بين عناصر الجيش من اللواء الثامن الموزّعين على أكثر من 7 مراكز في البلدة الممتدة على مساحة 316 كلم مربّعاً، في مواجهة الإرهابيين، الذين اتخذوا المدنيين دروعاً بشرية، ما صعّب المعركة على الجيش، بعدما تقلّصت الخيارات العسكرية أمامه وانعدمت فرص استخدام القصف المدفعي تلافياً لسقوط مدنيين.

بعد ذلك، توالت هجمات الإرهابيين على المراكز العسكرية في البلدة بعدما انضمّت الى المجموعة الإرهابية الأولى مجموعة ثانية مماثلة قبل أن تلحق بهما مجموعة ثالثة، ليُصبح عددُ الإرهابيين وسط المدنيين 1500 عنصر، مجهّزين بكلّ العتاد اللازم للمعركة.

واحتدمت المعركة مع مراكز الجيش على التلال الإستراتيجية التي يتمركز فيها الإرهابيون والمشرفة على عرسال والقرى المجاورة. وعلى الأثر عزَّز الجيش وجوده، مستدعياً أفواج المغاوير والمجوقل والتدخّل الخامس، أيّ ما يوازي نصف عديده.

ويشير المصدر إلى أنّه في ظلّ الظروف القاسية للمعركة، طلبت «هيئة علماء المسلمين» من رئيس الحكومة تمّام سلام الإفساح في المجال أمامها للتوسّط مع المجموعات المسلّحة بغية التوصل لصيغة يوافق عليها الجيش حقناً للدماء، فتمنّى سلام على قيادة الجيش القبول بالمبادرة.

ويقول المصدر: كنا أمام خيار واضح وهو القبول بتحرير عرسال من الإرهابيين وخروجهم الى ما وراء الحدود واسترجاع العناصر الأسرى، بأقلّ كلفة بشرية، فوافقنا على المبادرة في موازاة استكمال المعركة، نافياً أن يكون الجيش قد دخل في الوساطة مطلقاً، بل إنّ المبادرة أتت من هيئة العلماء المسلمين.

المحصّلة

وأمام التطوّرات التي قادت إليها المعارك في موازاة القبول بمبادرة «العلماء»، يؤكّد المصدر أنّ الجيش حقَّق إنجازاً كبيراً تمثّل بأربع نقاط:

1- حقن دماء المدنيين والعسكريين وقطع الطريق على الفتنة.
2- تحرير بلدة عرسال من الإرهابيين والمسلّحين الذين روّعوا أهلها وتحكمّوا بمصائرهم منذ أكثر من عام.
3- إستعادة كلّ المراكز العسكرية والإنتشار داخل عرسال.
4- تحرير عدد من العسكريين واستمرار التفاوض على العدد المتبقي.

وفي السياق الأخير، يقول المصدر إنّ هيئة علماء المسلمين أبلغت الى الجيش استئنافَ المفاوضات مع المسلّحين بعد انقطاعها امس الاول، نافياً أن يكون إطلاق سجناء إسلاميين في رومية من ضمن الشروط التي يطالب بها الإرهابيون، مؤكّداً أنّ الجيش لن يسلّم أيّ موقوف لديه، وهو سيحيل جمعة الى القضاء، فور الإنتهاء من التحقيق معه.

لا تكرار للمعركة

ويجزم المصدر بأنّ المعارك لن تعود الى عرسال، وما حصل لن يتكرّر في ظلّ الإنجاز الذي تحقَّق بإخراج المسلّحين فضلاً عن الإجراءات المتخذة مع وجود ثلاثة أفواج خاصة الى جانب اللواء الثامن، ويشدّد على أنّ الخطر زال عن عرسال وأهلها، الذين رحّبوا بالجيش وقد واجهوا الإرهابيّين الغرباء عن بيئتهم، لأنهم اعتدوا على جيش الوطن.

الإمكانات والمعركة مع الإرهاب

لا شكّ في أنّ تحرير عرسال وقطع الطريق على المؤامرة، لم ينهِ الخطر «الداعشي» والتكفيري الذي يجتاح المنطقة، ويأمل المراقبون أن تكون المعركة التي خاضها الجيش بـ«اللحم الحيّ» محطّة مفصلية أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة بدءاً بتسليح الجيش وفق ما تتطلّبه المرحلة.

وفي هذا الإطار، يؤكّد المصدر أنّ معركتنا أصبحت معروفة مع الإرهاب، فضلاً عن مواجهة إسرائيل، ونحن نحتاج الى منظومة صاروخية لمواجهة إسرائيل، وأسلحة نوعية تتمثّل بالطوافات المجهزة للجرود والاماكن الوعرة، فضلاً عن حاجتنا الى تعزيز سلاح المدفعية، ووسائل تقنية لضبط الحدود، جازماً بوجوب تسليح الجيش فورياً إذ لا ينفع أن ننتظر خططاً خمسية أو ثلاثية، بل يجب الإفادة من الدعم الدولي والمحلّي للجيش في مواجهة الإرهاب، وتخطّي العقبات البيروقراطية أمام تسليحه.

قد يعجبك ايضا