موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

تنظيم الخلافات الاقتصادية: عسكرة أم حلول؟

الدكتور يسار ناصر – السفير

لو تسنى لاي مراقب هذه الايام ان يسجل تطور منسوب التوتر السياسي والاقتصادي في العالم، لوجده في اعلى مستوياته منذ ازمة الصواريخ الكوبية؛ حيث اننا نرى المشاكل تتراكم عبر القارات وبطريقة تشي باننا على اعتاب اضطرابات عظيمة، او طريق صعبة نحو الحلحلة، ستأخذ مداها لتغدو انفراجات. فماذا الذي يحدث فعليا ولماذا الآن؟ الاجابة يجب ان تبدأ بالاقتصاد لنستطيع الاحاطة بهذا الواقع.

منذ اعوام والمنظومة الاقتصادية الغربية تترنح تحت ضغوطات الكساد الاقتصادي وعدم القدرة على معالجة المشاكل البنيوية في اقتصاداتها، والاتكال المستمر على الربح السريع المبني على توريد التصنيع نحو البلاد النامية واستيراد السلع الرخيصة منها، وهو ما ادى الى ديون متنامية. اما الطامة الكبرى فكانت الازمة المالية الناتجة عن المشتقات المصرفية التي استعصت على فهم ادارات الرقابة، وادت الى سياسات لا تتلاءم مع الفلسفة الاقتصادية السائدة رأسماليا». من هنا رأينا المشاكل تتفاقم في هذه الاقتصادات ومجتمعاتها.

من الناحية الاخرى كانت بعض البلدان تصحو من غيبوبة سياسية واقتصادية وتبحث لنفسها عن موطئ قدم يؤهلها للعب دور فقدته سابقا (كروسيا) او استجد نتيجة فورتها الاقتصادية (كالصين). بالاضافة الى ذلك فان بعض القوى المناطقية (كحالة ايران في اقليمنا والبرازيل في اميركا اللاتينية) ظهرت لتؤثر على كيانات اخرى، نمت بظل الامبراطوريات الغربية. هذه البلاد ما فتئت تحاول ان تكسب اسواقا جديدة اقتصاديا لتصريف انتاجها (الصناعي او من المواد الطبيعية) واستثمار عائداتها لتدعيم قدراتها على المدى الطويل.

وهنا ندخل في ما سماه ميرزهايمر من جامعة شيكاغو التراجيديا في السياسات الكبرى، حيث ان القوى العظمى لا تستطيع الاستمرار من دون السيطرة المطلقة على السياسة والاقتصاد. وفي حالة عالمنا الآن، فان المواجهة ستكون قاسية بين من يرفض التخلي عن القيادة المطلقة، ومن يحاول فرض حالة مبنية على الوقائع الاقتصادية والمالية الجديدة.

هذه المواجهة القاسية تتجلى على محاور عدة وتأخذ اشكالاً مختلفة.

مواجهة سياسية واقتصادية بين الولايات المتحدة والصين: حيث ان الصين تنمو باطراد اقتصاديا ومن المتوقع ان تصبح اكبر اقتصاد في العالم، اذا استمرت على الوتيرة نفسها. الصين تبحث عن طمأنينة سياسية واقتصادية، وفق تعبير ناثان وسكوبل، لتستطيع مواجهة كافة ازماتها البنيوية (خاصة حاجتها لموارد الطاقة) وتأمين حدودها المناطقية، منعا لقلاقل جغرافية تمنعها عن الانتاج والتصريف. بالمقابل، فان الولايات المتحدة تريد الصين منتجة ولكن تحت سقف عدم تهديد ريادتها في العالم، وخصوصا منطقة بحر الصين الجنوبي. لذلك نرى سياسة احتواء تبدأ بجيران الصين (رفع العقوبات عن بورما والانتشار البحري في استراليا) وتنتهي بمواجهة اقتصادية ساخنة في افريقيا حيث الوجود الصيني يواجه بقرار اميركي لاستثمار 37 مليار دولار اقرت في القمة الاميركية ـ الافريقية التي عقدت هذا الشهر.

مواجهة على كافة المستويات بين الغرب ككل وروسيا: الاتحاد الروسي يبحث منذ اول ايام استلام بوتين للحكم عن الطرق لاعادة امجاد الاتحاد السوفياتي السابق، حيث ان الاقتصاد المتكامل والاسواق الاستهلاكية كانت سمة النجاح السياسي. بعد اندثار الاتحاد السوفياتي تخبطت روسيا سياسيا واقتصاديا حتى استطاعت ايجاد التوازن المالي عبر بيع الغاز لاوروبا واستثمار عائداته لبناء الاقتصاد وايجاد موقع سياسي جديد في العالم. روسيا قوية تعني مواجهة في اوروبا ودول الكتلة السوفياتية سابقا. من هنا نستطيع قراءة المشاكل في اوكرانيا وتعقيدات الوضع على سواحل البحر المتوسط انتهاء بالعقوبات غير المجدية فعليا (حسب مراكز الابحاث الاوروبية). ان دفع روسيا المواجهة نحو اتفاقيات ثنائية مع إيران والصين وتبلغ 400 مليار دولار لتصدير المواد الخام فقط، وايران تعني الكثير من ناحية مقاومة العقوبات الحالية بل ايضا لتقويض اية محاولة لاحتواء وتقزيم الاقتصاد الروسي.

مواجهة مفتوحة في منطقتنا: الهدف منها صيانة وضع الكيان الصهيوني كوكيل اصيل للمنظومة الغربية في المشرق (بعد الاستثمارات المادية الهائلة لانشائه وفرضه عبر السنين) ومنع التكامل الاقتصادي الحميد في المنطقة الذي بالتأكيد سيؤدي لنشوء قوة يعتد بها اذا نشدت اصر العلاقات السليمة مع غيرها من البلدان. ان ما نراه من سياسة عقوبات، وحروب مباشرة مستمرة، ومن ثم بالوكالة، عبر الارهاب التكفيري العابر للحدود، هدفه دائما ابقاء المنطقة مقطعة الاوصال، وغير قادرة على الانتاج الفكري والاقتصادي السليم. ان ما نراه من تدمير ممهنج للحجر والمجتمعات وتهجير للاقليات وحروب على الشعب الفلسطيني، لا يصب الا في مصلحة من يريد السيطرة المطلقة على مقدرات المنطقة ومنعها من الانضمام الى قافلة الدول الناشدة لدور اكبر على الساحة العالمية.

ما تقدم يزاد عليه بعض المواجهات الساخنة في اماكن اخرى كاميركا اللاتينية او حتى بين اعضاء الفريق الواحد، لكن الاهم الان استشراف مستقبل هذا الوضع وهل قد يؤدي الى انفلاش وعسكرة في العالم، او هل هناك حلول اخرى؟

مايكل بيتيس، من خلال دراسته للاختلالات الاقتصادية الحديثة، يرى انه لا مفر من طريق وعر امام العالم لتأسيس حلول شاملة تبعدنا عن شبح المواجهات المباشرة بين القوى العظمى. بينما اصحاب السيناريوهات المأساوية يصرون على حروب شديدة تؤذي الجميع كطريق وحيدة لفرض الحلول، كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية.

من حيث المبدأ العقلاني لتحليل الامور، من الصعب في عصرنا الحديث تصور حرب ضروس تقسم العالم، وقد تؤدي الى فناء الحجر والبشر، لمجرد إنشاء نظم اقتصادية جديدة. بالعكس اننا نرى بالرغم من الضغوط الكبيرة، هروباً من الحلول العسكرية المباشرة بين الدول المؤثرة ومحاولة حلحلة سياسية كبديل، فالمثل الايراني دليل على تفضيل سياسة المفاوضات بدل الحل العسكري الذي قد يؤدي الى مصائب للطرف المبادر اليها. والمثل الاوكراني هو ايضا دليل اضافي لسياسة المفاوضات تحت ضغوط العقوبات المتبادلة خدمة لحل ما يرضي احد الاطراف او جميعها. اما المثل الصيني فهو ممثل لثقافة العمل الدؤوب بلا ضجيج لفرض الحل الانسب. اما وضع مشرقنا فيبدو الاكثر تعقيدا حيث التطرف الشديد يفوق اية عقلانية. فاصرار غلاة متطرفي الصهيونية على «تنقية» ارض فلسطين من اي اثر عربي، لا يماثلها الا تطرف «دولة» فرضت فرضا تدعو للخلافة وتتصرف بخلاف تعاليم الدين الاسلامي الداعية للتسامح وقبول الاخر.

ان الخلاصة المنطقية لهذا الشرح، تقودنا إلى الاقتناع بان العالم سيجد طريقة (ولو متعبة وطويلة) لحلحلة المشاكل الاقتصادية والسياسية من دون الاستخدام المتطرف للقوة العسكرية في اغلب المناطق الساخنة في العالم. اما في مشرقنا فان اللجوء الى المقاومة المباشرة للمتطرفين، لاية ديانة اوعقيدة انتموا، سيبقى الطريق الوحيد لفرض حلول طويلة الامد تسمح لشعوب هذه المنطقة بالعيش والتكامل بسلام للعمل والتمتع بالخيرات الاقتصادية التي تعج بها.

قد يعجبك ايضا