موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

رأسُ علي السيّد يعود الى رحم أمّه جنيناً

فاطمة عبدالله – النهار

تستغيث العين، مدركة أنّها اللحظة الأخيرة. تستدعي صوراً مُعذِّبة، الأمّ مثلاً أو الابنة أو الجنين المُنتظر لعنة الولادة. لا يأبه الجزّار بعلاقة حميمة للرقيب علي السيّد مع الذاكرة. يمدّ سكينه ويفصل الرأس عن جسدٍ، ليغتسل، مظلوماً، بدماء حارقة.

تتضخّم العروق، هي الشرايين الصارخة، الراجية بانتفاخها ألا تُذبح. كأنّ عصبَ الجسد يتكوّر حول الرقبة، وتهبّ الأعضاء لنجدة الرأس والدفاع عن انتمائه الى الجسد. ما كان السيّد يريدُ جسداً يسبقه الى الأبدية من غير رأس. تتحوّل الأنفاس هائجة، إسوةً بالصرخة، تجابه أيادٍ تشدّ الرأس تسهيلاً للذبح. غيرُ يدٍ تتحكّم بالرأس وأنفاسه، مُرغمة إياه على الإذعان، وهو يُقاوم، تؤازره أعضاء البدن، من دماء وطاقة وغريزة، محاولاً إرجاء الذبح، مُبعداً من تصوُّراته أنه بعد دقائق سيدرك كم كانت الحياة عظيمة.

يستشعر الرأس برودة سكينٍ يلامس الشرايين المُنتفخة، فتشتدّ العضلات، ويتحوّل البدن بأكمله الى رأس! تكبيل السيّد، أي تعطيل جسده أمام المواجهة، ومُصادرة حركته العضلية القادرة على لكْمِ الجزّار لو أطلق حرّيتها، يترك الرقبة أمام كثافة الذبح، كأنّ ما يعني السكين الاطمئنان الى القتل، خوفاً من إعادة بعث الجثة بشهوة الانتقام من القتلة. يُفصَل الرأس، فيُصَاب البدن بالارتخاء، تاركاً لدمائه حرية الانطلاق. الجزّار يأسر الجسد ويذبح رأسه، والرأس والجسد ينشدان الحرية من خلال سيلان الدم من دون قيد.

يشهق الرأس، مُرسلِاً أنفاسه الى أمّ ستتألم كثيراً. يصبح غريباً عن جسده، كلاهما قد يخاف الآخر، حتى الذاكرة باتت شريدة. برهةٌ، ويتغرّب الرأس، هو الآخر، عن نفسه، فلا شَعره يعود كسابقه، وتمسي عيناه مستوحشتين. تُجرَح يدٌ بالسكين من غير نية الآلة على أذيتها، فيصاب البدن باحتراق اليد، فماذا إن ذُبح الرأس؟ المرء في قوّته هشٌّ، يُحبطه المرض وتعطبه الفجيعة، فكيف يجرؤ على ادعاء أنه كاتبٌ يُفنِّد عذاب الذبح؟ المذبوح يُعجِّز الأقلام، ويُحرِج المخيّلة فارضاً الكفّ عن استحضار الصور. المذبوح ويلُ أمّه الحائرة مَن ترثو، الرأس أم البدن المفصول عنه رأسه. المذبوح سؤالُ ابنة كيف دفنوا أباها، كأنّها ببراءتها تختلق إبرة عملاقة تخيط الرأس والبدن فتعود الجثة مُكتملة. ليس المذبوح مادة وصف. الغصّة لا تُكتَب. تُشعَر.
يغدو الليل سكيناً، يمتد الى رأس الأم ويذبحها. “ليته كان رأسي”، تردد أثناء نومها. يحدث أن يصبح السكين قاتلها وقاتل جميع أولادها. لعلّها ستُخفي أثره من مطبخها، وعوض استعماله لقطع الخضر، ينبغي الاعتياد على قضمها كما هي. لا سكاكين في البيت، لأنّها ذبحت رأس ابنها.

يسري في عروقها نبضٌ حار كالذي حطّم عروق ابنها. تمدّ يدها الى رأسها، فيؤلمها أنّه في مكانه، فيما رأس ولدها سُلخ. لعلّهم، رأفة بمصابها، منعوها من وداع الجثة. لم يدروا أنّها ودّعتها منذ اليوم الأول الذي فارقها صغيرها الى احتمالات الحرب القائمة. تشاء لو تقبّل الرأس على حدة. تصطحبه معها في نزهة. كأنه طفلها بعد آلام المخاض. تشاء لو تؤلّف له أغنية. غيرها أغنية “يلا ينام يلا ينام”. أغنية للرؤوس المقطوعة. للدماء التي سيلت بكثافة. الأمّ تُعنَى بالرأس قبل الجسد. الجسد للجميع، لكنّ رأس ابنها لها. لو ملكَت، لسرّحت له الشعر المغمَّس بالتراب والدم، وغسلت الوجه كما لو أنّها تعدّه للذهاب الى المدرسة. لو استطاعت لقبّلته الى الأبد. لعلّمته لفظ “ماما” من جديد. لاحتفظت به جنيناً في رحمها.

قد يعجبك ايضا