موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

كيف يتعامل أهالي رأس بعلبك والقاع مع التسليح والنازحين؟

سندرا الصايغ – الجمهورية

مع تزايُد الحديث عن التسلّح والأمن الذاتي والمربّعات الأمنية والميليشيات، وتحديداً في القرى المتاخمة للحدود السورية خوفاً من تمدّد الحرب السورية إلى لبنان، قامَت «الجمهورية» بجولة ميدانية في رأس بعلبك والقاع لنفي أو تأكيد الشائعات التي تحدّثت عن التسليح القائم على قدَم وساق، في الوقت الذي لمسَت فيه وجودَ مخاوف جدّية من الواقع الأصولي والتطوّرات الأمنية والعسكرية، إلّا أنّ جميع مَن التقتهم أكّدوا تمسّكَهم بالدولة والجيش اللبناني ورفضِ اللجوء إلى السلاح سوى في حال عجزَت الأجهزة الرسمية عن الدفاع عنهم، خصوصاً أنّهم ليسوا في وارد تركِ أرضهم ومسقط رأسهم. وإن دلّ ما تقدّم على شيء، فعلى أنّ التسلح، إن وُجِد، فما زال مضبوطاً ومستوراً وفردياً ومحدوداً، وبالتالي لم يتحوّل بعد إلى ظاهرة شعبية، حيث إنّ مجرّد التحفّظ يعني أنّ الأمور ما زالت تحت السيطرة، وأنّ هناك تضخيماً أو ربّما جَسّ نبض مقصوداً لمعرفة ردود الفعل السياسية والشعبية على مسألة التسلّح، وذلك بهدف الذهاب قدُماً في هذا الاتّجاه، أو فرملة الاندفاعة الميليشياوية…

«التحصّن هو الخطوة الضرورية لأيّ مباغتة غير مرتقَبة، لأنّ سقوط مسيحيّي رأس بعلبك يعني سقوط كلّ مسيحيّي لبنان». هذا ما قاله أحد المواطنين الناشطين من رأس بعلبك لـ«الجمهورية».

وأضاف: «هناك خطر فعليّ، ولكنّ إيماننا بالدولة كبير وثقتنا بها صلبة. نحن نتّكل على الجيش اللبناني ونرفض العودة إلى زمَن الحرب وإنشاء مربّعات أمنية وميليشيات، إنّما في الوقت نفسه إذا عجزت الدولة عن تأمين الحماية عندما يدقّ ناقوس الخطر ويسقط سقف الهيكل فوق الجميع في البلدة، لن نسكت، وسنقاوم، لأنّ الندمَ لن ينفع».

الواقع الميداني

وإذا كانت المخاوف التي عبّر عنها هذا المواطن، الذي تمنّى عدم الكشف عن هويته، مُحِقّة نتيجة الحرب السورية وصعود التطرّف بشكل غير مسبوق، ومعركة عرسال بين الجيش والإرهابيين، إلّا أنّ الوقائع على الأرض مختلفة، وتحديداً في رأس بعلبك التي ينتشر فيها الجيش في نقاط عدّة: ثكنات عسكرية، ونقاط للمراقبة، وحواجز ثابتة ومتنقّلة، ودوريات مؤلّلة. ففي هذه المنطقة يوجد أكبر ثكنة عسكرية وفوج للتدخّل، الأمر الذي يجعل احتمالات أيّ خَرق أمني ضئيلة جداً.

الجيش الحامي الوحيد

رأس بعلبك هي أكبر بلدة في لبنان عقارياً، يحيطها من الشرق «قاره»، ومن الغرب «القرنة السوداء»، وأقرب منطقة شيعية هي «العين». تبعد عن الحدود السورية 20 كلم، ويبلغ عدد سكّانها 2500 نسمة في الشتاء، و6000 نسمة في الصيف. ضيعة مسالمة، يسعى الأهالي فيها إلى مساعدة الدولة وإبلاغ السلطات الرسمية عن أيّ تحرّك مشبوه قد يحصل في المنطقة. فالجيش اللبناني هو الحامي الوحيد لهم، ولا خروج عن نطاق الدولة وشرعيتها في الدفاع عنهم.

العرجى

هذا ما يؤكّده رئيس بلدية رأس بعلبك هشام العرجى، الذي يشير إلى وجود 3000 إلى 4000 عسكري في المنطقة، يضمّون النخبة من اللواء الثامن واللواء الثاني وحرس حدود ومخابرات والمجوقل والمتقاعدين ليقوموا بأعمال المراقبة. ويرى العرجى في حديثه لـ«الجمهورية» أنّ الأهالي يتّكلون على الجيش اللبناني وعلى «سيّدة الراس»، لافتاً إلى أنّ «المدنيين هم «عيون الجيش» يراقبون ويخبرونه بأيّ تحرّك طارئ قد يحصل».

ويرى العرجى أنّه «على الرّغم من خطورة الوضع وكثرة الإشاعات، فلا تهديدات رسمية قد وصلتهم لأيّ غزو قريب، مشيراً إلى أنّ «البلدة لا تحتوي على أيّ مخيّمات، ويتمّ تفتيش بيوت السوريين النازحين إلى البلدة، وتسجيل كلّ أسماء الغرباء.

ويشدّد على أنّ «ميزانية البلدة تخصَّص لتأمين ثكنات الجيش والمراقبة دون أيّ محاولة لتسليح المدنيين»، موضحاً أنّ «حزب الله لا يسلّح الأهالي وإنّما هناك عدد قليل من سرايا المقاومة، وهم من الطائفة المسيحية، يتمّ تسليحهم، وهذا الأمر طبيعي أن يحصل ضمن الحزب».

نعوم

ومن جهته، أكّد مختار رأس بعلبك سهيل نعوم لـ«الجمهورية» أنّ «هناك اتصالات بين رأس بعلبك والقاع، ولكن لا تنسيق فعليّاً بين البلدتين سوى على صعيد المراقبة، حيث تتولى رأس بعلبك مراقبة التلال، فيما تتولى القاع مراقبة الهضاب»، وقال إنّ «التحرّك الوحيد الموجود هو مدنيّ وتحت غطاء الجيش اللبناني، لأنّ المدنيين لا يمكنهم أن يكونوا في حالة من التنسيق المتكامل بين بعضهم كونُهم مجموعات وليسوا مرتبطين بشخص واحد، كما هي الحال في الأحزاب».

وأشار نعوم إلى أنّ «التنسيق في القاع أفضل من رأس بعلبك»، ولفتَ إلى أنّ «رأس بعلبك هي بلدة تاريخية معروفة بشهدائها لكلّ مناطق لبنان، ولذلك هي الوحيدة القامعة للغرباء والتي تمنع عليهم التجوّل على الطرقات». وشدّد نعوم أنّ «رأس بعلبك بلدة نائية، محيطها إسلامي، وبالتالي لا يمكن تأجيج الأمور ولا تحدّي أحد، خصوصاً في ظلّ التهديدات الكثيرة.

ولذلك، التسلّح يكون للجيش وحدَه، لأنّه سيّد الموقف، وهو الضابط الوحيد لأيّ خَرق قد يحصل»، واعتبر أنّ «التسلّح الفردي ما هو سوى تسلّح متوسّط ولا يدخل في أيّ إطار حزبي».

وشدّد نعوم أنّه «ممنوع على المسلحين الدخول إلى رأس بعلبك ولو على جثثنا، لأنّ المسيحيين إذا سقطوا في هذه البلدة وفي القاع فهذا يعني سقوط مسيحيي لبنان أجمعين»، وأشار إلى أنّه «وردَتهم معلومات تحدّثت عن هجوم يشنّه الإرهابيون خلال الـ10 أيّام المقبلة، الأمر الذي دفعَهم إلى الاستعداد نفسياً ومعنوياً أيضاً لأيّ هجوم مرتقَب».

وردّاً على سؤال إن كان هناك أيّ تسليح للعائلات المسيحية من قِبل «حزب الله» في رأس بعلبك، أكّد نعوم أن «لا تسليح من أيّ حزب يحصل في المنطقة، كما أنّ تسلّح المدنيين غير شرعيّ ويخرج عن نطاق الدولة، في الوقت الذي يعتبر الأهالي أنّ الجيش وحده يحميهم».

وتوجّه بالشكر إلى «حزب الله»، لأنّ أهالي البلدة هم الطفل المدلّل عنده، ولو احتاج المواطنون في أيّ لحظة إلى مساعدة نتيجة خَرق مفاجئ من المسلّحين، فالحزب لن يرفض إمدادَهم بالتسليح، ومستعدّ للمساعدة». ويأسف المختار على الوضع الاقتصادي في رأس بعلبك، والذي أصبح مذرياً وقد قُضِيَ على الموسم السياحي.

رزق

بضعة كيلومترات تفصل رأس بعلبك عن القاع. الجيش اللبناني مسيطر على الحدود. وإنّما المشكلة الحقيقية في القاع بحسب رئيس البلدية ميلاد رزق تخطّت المشاكل الحاصلة منذ سنة، ويفسّر أنّ البلدة تحتوي 30 ألف نازح سوري، فيما عدد سكّانها اللبنانيين لا يزيد عن الـ3 آلاف، وهذا الأمر يشكّل مشكلة حقيقية لعدم وجود التوازن، مشيراً إلى أنّ «الأعداد الهائلة للنازحين قد تشكّل قنبلة موقوتة، خصوصاً مع غياب نظام التسجيل ومراقبة الغرباء».

ويؤكّد رزق لـ«الجمهورية» أنّ «البلدية كانت مستعدّة لتقديم 30 ألف متر لإقامة مخيّم خاص بالنازحين السوريين، وذلك لتسجيل عملية الدخول والخروج، ولكنّ وزارة الداخلية رفضَت ذلك خوفاً من تشكيل مخيّم ثابت واعتبار النزوح مؤقّتاً»، مشيراً إلى أنّ «3 سنوات مرّت وترسّخَ وجود هؤلاء النازحين، في الوقت الذي كان من المفترض توزيعهم بشكل متساوٍ». ويعتبر أنّ «عدم تسجيل عملية الدخول والخروج هو خطأ ارتكبَته الدولة، كما أنّه ظلمٌ للنازح الذي يحتاج فعلاً إلى مساعدة».

الأحزاب رفضَت التسليح؟

ونفى رزق وجودَ أيّ تسلّح للمدنيين، مشيراً إلى أن «لا وضعهم كمسحيين ولا القانون ولا المال الموجود يسمح لهم بالتسلّح، هذا إضافةً إلى حالة الفقر في البلدية».

ويرى أنّ «النزوح ليس العائق، وإنّما غياب تنظيمه من الدولة من جهة، ونيّة الغدر من جهة أخرى، هي التي قد تشكّل أيّ خطر أمام أيّ هجوم»، مؤكّدا «أنّنا لن نسمح بالغدر ولن نقبل بأيّ طعنٍ كما حصل في عرسال، لأنّ ردّة الفعل سوف تكون عنيفة بحقّ النازحين من جهة والدولة التي لم تسيطر على عملية النزوح من جهة أخرى».

ولفتَ رزق إلى أن «لا تهديد بدخول مسلّحين إلى القاع كما أنّه لا تسليح للمدنيين من أيّ حزب»، موضحاً أنّ «الأحزاب رفضَت تسليح المدنيين وإنّما أكّدت في الوقت نفسه استعدادَها لتسليحهم في حال أيّ هجوم قد يحصل». ويلفت رزق إلى أنّ «الأحزاب التي تملك الأسلحة في البلدة هي الحزب القومي السوري والبعث، فيما «التيار الوطني الحرّ» لا يملك الأسلحة».

وينفي رزق حصولَ أيّ تسليح للمدنيين من «حزب الله»، إذ قال: «نحن نتمنّى الحصول على تسليح ولا مانعَ من أن نأخذ من الله ومن حزبه الأسلحة لحماية أنفسنا في حال احتدّت الأمور، وعندها لن «نقبلَ» فقط الأسلحة وإنّما سنقاتل من أجل الحصول عليها»، لافتاً إلى أنّ «الجيش هو الحامي الوحيد في الوقت الراهن لأنّنا نفضّل الحوار على البندقية».

وعلى الرغم من خطر المداهمة لأيّ إرهابي، يرى رزق أنّ «الحرب الأساسية هي الحرمان الذي يعيشه الأهالي من ماء وكهرباء»، مفسّراً أنّ «عدد الـ30 ألف للنازحين استنزفَ الطاقة الكهربائية والماء التي كانت تؤمَّن لعدد الـ 3 آلاف لبناني». ويستطرد قائلاً إنّ «الحرب التي قد تشَنّ على أيّ منطقة لا يمكنها أن تتصدّى لها إن كانت تعاني من الحاجات الأساسية اليومية، وبذلك يكون هذا الحرمان هو الداعش الخطير».

الدولة والجيش أوّلاً

ولم تقتصر المقابلات التي أجرَتها «الجمهورية» على مَن تقدّم، إنّما التقَت مواطنين ومسؤولين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم، غيرَ أنّ الجامعَ بينهم يتمثّل بالآتي:

أوّلاً، الاتّعاظ من تجربة الحرب الأهلية ورفض استنساخ المشهدين السوري والعراقي.

ثانيا،ً الدعم الكامل للدولة والجيش اللبناني الكفيل وحدَه حمايتهم.

ثالثاً، على رغم وجود مخاوف من انفلات الأوضاع ربطاً بالمشهدين السوري والعراقي، إلّا أنّ بداية التسوية الحكومية العراقية وانطلاق الحوار السعودي-الإيراني والاستعدادات الدولية لمواجهة الإرهاب، تعكس الارتياح في النفوس.

ويبقى أخيراً، هل مَن يريد تعميمَ ظاهرة التسلّح على جميع الطوائف لتبرير امتلاكِه السلاحَ؟ وهل المسيحيون الذين نجحوا بتجنّب التسلّح سينزلقون إلى حمل السلاح مجدّداً؟ وهل ظروف اليوم هي نفسُها ظروف عام 1975؟

قد يعجبك ايضا