موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الراسبون “Selfie” مع إفاداتهم.. والناجحون: هل هذا عدل؟

“خارج عن المألوف”. هكذا بدا مشهد اليوم الأوّل مِن تسلّم طلّاب الثانوية العامة “إفادات إثبات قيد” التي اعتُمِدت في الامتحانات الرسمية لسنة 2014، بعد تعذّر السير بالتصحيح. “ما العمل؟ كم طابعاً تريد؟ مَن يُصدِّق لنا الإفادات؟ هل بات بوسعي الدخول إلى الجامعة؟… يصعب إحصاء الأسئلة التي تردَّدَت على ألسنة الطلّاب، إلّا أنّ الجواب واحد: “بدكُن تطوّلوابالكُن…الـprocedure جديدة علينا”.

“أوّل الواصلين، هم أوّل المغادرين”. معادلة حسابية اعتمدَها طلاب محافظة بيروت في استلام إفاداتهم. لم ينتظروا ريثما تفتح المنطقة التربوية أبوابها في ثانوية عبدالله العلايلي، بل توافدوا منذ السادسة والنصف صباحاً ليحجزوا لأنفسهم دوراً.

“أنا جيت قبلك”… “لأ هون ما في ladies first”. شجارٌ سرعان ما انتهى عند فصل إعطاء الإفادات وفق الفروع. فقد خُصِّصت النافذة الأولى من مدخل المركز لطلاب علوم الاقتصاد والاجتماع، كونهم “قَدّ الكلّ”، على حدّ تعبير أحد الموظفين. هنا بدا التدافع أقلّ، وطغَت أحاديث عن “عجائب” اختبرَها الطلاب. فيُخبر طارق كيف حالفَه الحظ، بعدما كان راسباً طوال العام الدراسي، إلى حدٍّ تحدّاه والدُه أن ينجح ليُهديَه سيارة “من الشركة”.

أمّا غابي، فلم يصدّق حتى الآن ما حدَث معه، بعدما رسَب العام المنصرم في دورتين متتاليتين، ويقول: “على طبَق من فضّة جاءني النجاح، لا بدّ من Selfie تتويجاً لهذا الإنجاز”. أمّا الطالبة سابين فتقِف محاولة تجاهل كلامهما، وعلامات الغضب على محيّاها. وبعدما غلى الدم في عروقها، خانَها لسانها، فهمسَت لوالدتها ثلاث كلمات معبِّرة: “هل هذا عدل؟”.

“ليش أنا صدّقت إنّو بينجح”
أمّا الأجواء أمام النافذة الثانية، التي خُصِّصت لطلاب الآداب والإنسانيات، وعلوم الحياة والعلوم العامة، فأخذت طابعاً مغايراً، حيث كانت الغَلبة لحضور ذوي الطلاب. فوجَد الحج علي الأجواءَ متاحة ليسترجعَ أمجادَه، قائلاً: “نحنا تحت القصف والضرب تعلّمنا، وأخدنا شهادة”. أمّا أم إيلي فآثرت التباهي بأنّها خرّيجة “الليسيه في فرنسا، بسبب ظروف عمل والدها”.

سرعانَ ما توقّفت الأحاديث الجانبية لتسرقَ الحجّة بهاء الأضواء، فقد أتَت مستعجلةً، “داهمني الوقت، وأريد قبل الذهاب إلى عملي الحصول على إفادة إبني في المرحلة المتوسطة… ليش أنا صدّقت إنّو بينجح!”.

عبثاً حاولت إحدى المسؤولات إقناعَها بأنّ الإفادات ستُسلّم لإدارات المدارس، ليتمّ توزيعها على الطلّاب مطلعَ الأسبوع المقبل. وكان جواب الحجّة “وهيك هيك ما فيكي تزبطيلنا ياها؟” وهي تُلوّح بيدِها…

ذروة الضَياع وعدم التركيز سادت بين الطلاب أمام النافذتين الثالثة والرابعة، اللتين خُصِّصتا لتصديق نُسَخٍ عن الإفادات. فلم يحفظ أيّ من الطلاب المعادلة: “صَوِّر نسخة، جيب طابع وتعا لعندي”.

فكانوا إمّا يحضرون نسَخاً أكثر من عدد الطوابع، أو بالعكس. أمّا السؤال الأغرب، فكان “وين مِنصَوِّر”، مع العِلم أنّ شابّاً من الحيّ احتاط للمسألة وأحضَر آلة تصوير، ووضعَها في صندوق “فان” أبيض على أعين من المارّة.

وهناك مَن أتى حاملاً نسخة عن إفادة غيره ليطابقها مع إفادته غير متنبّه… وغيرها من تصرّفات… ما استدعَى تعليقات المسؤولين: “برَبّكم كيف كان لينجحَ هؤلاء لو تمّ الاعتماد على التصحيح؟”… “في ناس بالها فاضي وبعيشتها راضي”.

تدابير لوجستية
في المقابل، يُعرب رئيس المنطقة التربوية محمد الجَمل عن اطمئنانه لسير العملية، قائلاً: “لا شكّ في أنّ عملية التسليم لن تخلوَ من الأخذ والردّ والاستفسار، خصوصاً أنّ الأهل والطلاب غير معتادين على الآلية، ولكنّ فريق العمل على كامل الاستعداد للردّ على أسئلتهم”.

ولدى استفسارنا عن الاستعدادات التي سبقت التوزيع، يوضح الجَمل لـ”الجمهورية”: “وصلت إلى المنطقة التربوية وثائق خاصة بالطلاب “إفادات إثبات قيد”، صادرة عن وزارة التربية، تخوّل حامليها الدخول إلى الجامعات المحَلية والأجنبية. تبلّغَت كلّ منطقة عدداً من الوثائق مطابقاً لعدد الطلاب الذين تسجّلوا للمشاركة في الامتحانات الرسمية وحصلوا على بطاقة ترشيح”. ويضيف: “على سبيل المثال تبلّغَت منطقة بيروت أكثر من 4 آلاف وثيقة لطلاب الثانوية العامة، ونحو 5 آلاف وثيقة لطلاب المتوسطة”.

أمّا عن تقويمه لاعتماد الإفادات، فيقول: “هذا الحلّ كان لا بدّ منه لتسهيل المسيرة الأكاديمية للطلاب. أمّا بالنسبة إلى المسائل اللوجستية التي استدعَتها الافادات، مثل توقيع هذا الكمّ الهائل من الطلاب فهذا لا مفرَّ منه سنوياً بالنسبة إلى رئيس المنطقة التربوية”، مشيراً إلى أنّ “إعتماد الإفادات لن يشكّلَ عبئاً على الجامعات، فهي غالباً ما تمتحِن الطلاب قبل انتقائهم، وحتى “الجامعات” المشكوك في أمرها والتي قد تنتعش، سرعانَ ما سيفشل طلابُها في سوق العمل”.

وعمّا إذا كان يتخوّف من محاولات تزوير للإفادات، يقول: “في ظلّ التكنولوجيا المتطوّرة، لا يمكننا التلطّي وراء إصبعنا والادّعاء بأنّ التزوير مستحيل. ولكن في موازاة الإفادات التي تسَلّمناها، فقد خُصِّص لكلّ منطقة تربوية قرصاً مدمَجاً يعطي معلومات وافية عن كلّ طالب تسَلّم إفادة.

ولا شكّ في أنّ المعنيين تنبّهوا للأمر واعتمدوا أساليب سرّية في طبع الإفادات لا يمكن كشفها… وفي أيّ حال إذا تأمّلنا الوثائق المعتمدة، رَأينا أنّ لكلّ طالب رمزاً خاصاً، “بار كود” يعرِّف عن الوثيقة الصادرة باسمِه من وزارة التربية”.

هل تشمل الإفادات الطلاب السوريين؟
يتوقّف الجَمل عند الوضع الدقيق الذي يرافق المرشّحين من بين النازحين السوريين، تحديداً الذين يفتقرون إلى أوراق ثبوتية. ويوضح: “بالنسبة إلى هؤلاء تبقى نتائجهم معلقة، ولا يستطيعون بالتالي استلامَ الإفادات إلى حين استكمال أوراقهم الثبوتية”.

شمالاً
إختلفت آليّة توزيع الإفادات من منطقة تربوية إلى أخرى، بحسب خصوصية كلّ محافظة، إلّا أنّ الأجواء كانت متشابهة، والاستفسارات عينها بين الأهالي والطلاب”.

من جهتها، فضّلت رئيسة المنطقة التربوية في الشمال نهلا حماتي تقسيمَ توزيع الإفادات بحسب الفروع، نظراً إلى عدد الطلاب الهائل. وفي ذروة انهماكها، تنقل لـ”الجمهورية”، الأجواءَ التي رافقت اليوم الأوّل: “منذ الصباح الباكر انطلقَت عملية إعطاء الإفادات في مركز ثانوية سابا زريق في الميناء. حاولنا قدرَ المستطاع تنظيمَ التوزيع، خصوصاً أنّ عدد الطلاب لا يُستهان به.

قسّمنا الطلاب على مدى الأسبوع، مع الإشارة إلى أنّنا علّقنا جدولَ التوزيع اليوم (أمس) وغداً (اليوم) لفرعَي العلوم العامة وعلوم الحياة، ويومَي الخميس والجمعة لفرع الاقتصاد والاجتماع، والسبت للآداب والإنسانيات”. وتضيف: “أمّا الطلاب الذين أرادوا السفرَ، والوقتُ داهمَهم، فقد سحبنا الإفادات الخاصة بهم من التسلسل”.

جنوباً
منذ الساعة الثامنة صباحاً، انطلقَ توزيع الإفادات في الجنوب، وقد استقبلت المنطقة التربوية الطلاب في مكاتبها في سراي صيدا. “سارت الأمور على نحو طبيعيّ، على رغم الحضور الكثيف للطلاب منذ الصباح الباكر”، هذا ما يؤكّده رئيس المنطقة باسم عباس، الذي يوضح لـ”الجمهورية”، تفاصيلَ العملية، قائلاً: “لا يمكننا إنهاء التوزيع من اليوم الأوّل، لذا خصَّصنا أوّل يومين للعلوم العامة وعلوم الحياة، على أن نبدأ بعدها بعلوم الاقتصاد والاجتماع، ولاحقاً الآداب والإنسانيات”.

ويضيف: “لم نستغرب كثرةَ الاستفسارات ومحاولات الاستيضاح، فلا هواتفُنا كلّت ولا أرقام المكاتب توقّفَت عن الرنين، وهذا أمر طبيعي نظراً لأنّ الآلية غير مألوفة”. ويلفت عباس إلى أنّ عدد المرشّحين في الثانوية العامة “بلغَ نحو 6 آلاف طالب، و8 آلاف في المتوسطة”.

في الختام، أيّاً تكن التدابير اللوجستية المُتّبَعة لتسهيل عملية إعطاء الإفادات، يُجمع المراقبون على أنّ المشهد أمس والذي تكرَّر في مختلف المناطق التربوية، من الجنوب إلى الشمال مروراً في بيروت، أيقظَ في الأذهان فترةَ الحرب التي اعتُمِدت فيها الإفادات. فهل سيكون للعام المقبل ضماناتٌ تحول دون تكرار مَرارة المشهد؟

(ناتالي اقليموس – الجمهورية)

قد يعجبك ايضا