موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

جمهورية بلا رأس أصلا، كيف لها أن تقدّر مغزى وخطورة فصل رأس جندي عن بزّته المرقّطة؟

ملاك عقيل – ليبانون فايلز

عندما تقترب الدولة من منطق القبول بتسليم إرهابيين الى… إرهابيين، تسقط كل المحرّمات. يصبح المحظور بحكم المقبول، وغير المُمكن ممكنا وأكثر. جمهورية بلا رأس أصلا، كيف لها أن تقدّر مغزى وخطورة فصل رأس جندي عن بزّته المرقّطة؟

تنقسم الأراء أفقيا اليوم بخصوص مسألة تتداخل فيها السياسة بالامن والقضاء، وما بينهم الجدل حول هيبة المؤسّسات وكرامة الدولة. فريق يؤيّد انصياع الحكومة لمطالب الإرهابيين عبر الإفراج عن الموقوفين في سجن رومية، طالما أن الغلّة أكبر وهي عودة المخطوفين العسكريين سالمين الى عائلاتهم، ولأن حياة جندي واحد تساوي ألف ارهابي! وفريق متمرّد على هذا الخيار. يرى فيه انهيار كامل لآخر ركائز الدولة، منطلقا من موقف مبدئي وهو عدم جواز تفاوض الحكومة مع إرهابيين، حتّى لو كان الثمن اعتبار كل العسكر المخطوفين بيد “داعش” و”جبهة النصرة” شهداء الواجب!

بمطلق الأحوال، بلغت الأمور في لبنان حدّا تصعب فيه فعلا المحاسبة الحقيقية، وتحديد المسؤوليات، وإطلاق الأحكام.

حين يتاح لإرهابي أن يخرج من الزنزانة تحت وطأة ضغط الشارع على الحكومة ويتجنّد وزير في الحكومة لـ “الشوفرة” له، تخفّ بعدها حجّة المطالبين بعدم المسّ بكرامة الدولة وهزّ هيبتها، حين يتعلق الأمر بالتفاوض مع تكفيريين ومتطرّفين من أجل إنقاذ حياة أبرياء قد يذهبون فرق عملة الحسابات السياسية.
وتحت كنف هكذا واقع مرير تستولد ظواهر شاذة أبطالها نواب ووزراء وقيادات في السلطة، تثبت بما لا يقبل الشكّ بأن طاقما من القاصرين والمقصّرين، يتحكّم بدفة البلد.

يبدو أن “الجناح المتشدّد” في السلطة وداخل مجلس النواب، الذي سيمدّد له بهمّة “داعش” وأخواتها، قد جَذب المزيد من المنتسبين في الأيام الماضية. ربما، لاعتقاد البعض، أنه في زمن التطرّف… “ما إلنا إلا التطرّف”.

بعد معين المرعبي، وخالد الضاهر ومحمد كبارة كرّت السبحة. آخر مآثر الثلاثي وصف الإرهابيين، قاطعي رؤوس عناصر الجيش، بـ “المجموعات المسلّحة”. قلوبهم لا تحتمل مناداتهم بما يعكس حالتهم المرضية العقائدية. هم مجموعات مسلحة فقط… فصلت رأس الشهيد علي السيد عن جسده… لأن “حزب الله” يقاتل في سوريا!!

ليس ما قام به وزير العدل أشرف ريفي مؤخّرا غريبا عن أجندة تفكيره. هو فعلا أيقظ الشياطين حين قرّر تحريك النيابة العامة التمييزية بحق حارقي علم “الدولة الاسلامية” بعد أيام على الحادث.

الرجل، الذي يؤكّد أنه يتصرّف بخلفية منع الفتنة الكبرى، لم يتحرّك قبلا لمصادرة أعلام “داعش” التي اكتسحت بعض الأزقة والشوارع والمناطق. انفعل حين علم أنها تحترق على يدّ شبان غاضبين من المجرمين وقتلة الجيش اللبناني. مع العلم أنها أعلام تتلطّى، مع حامليها “الأصليين”، خلف الاسلام. تشوّه صورته وتستغله وتستبيحه وتشيطنه.

يستطيع خصوم ريفي أن يسردوا لائحة طويلة عن تعاطف وزير العدل مع المتطرّفين، لكن بعضهم لم يستوعب بعد مغزى ملاحقة من أحرق علم، لا علاقة له بالدين الاسلامي، يعتنق حامله مذهب قطع الأعناق!
سمير جعجع، من جهته، لا يخاف من “داعش”. يقول حرفيا “شو “داعش” شو بلوط”!. برأيه، هذه موجة وستنتهي قريبا. لكن لم يخبرنا، إذا كانت ستنتهي، قبل أو بعد “أن ننتهي نحن”.
مثله تماما يتصرّف النائب نديم الجميل. “شو عملتلنا “داعش” حتى نواجهها؟”. يفترض بالمسيحي الخائف أن يساير جلّاده. هذا مفهوم بالمنحى الانساني الغرائزي الصرف، لكن الى هذه الدرجة!! “ويللي بدو يحرق أعلام فليفعلها أدام بيتو”. عزيزي النائب سقفك الاعلى هو الإدانة فقط. حتى أن الأدانة غير جائزة طالما أن لا تحقير هنا للشعائر الدينية. حرق العلم الأسود، رمز الارهاب، يدخل في إطار التعبير عن الرأي، حتى لو كان البلد برمّته يرزح تحت وطأة شحن مذهبي وطائفي غير مسبوق.
تكتمل الصورة مع الرئيس فؤاد السنيورة. هذا الأخير ظاهرة فعلا. يتناسى ان وزراء “حزب الله” هم زملاء وشركاء في أخذ القرار مع وزراء “تيار المستقبل” وآخرين. يجلسون على طاولة واحدة، ويبحثون معا في سبل الخروج من الأزمة. لكن هو يصرّ على مساواة الحزب، مع “داعش”. يتشارك في الرأي معه معظم سياسي “المستقبل”. من يحارب “داعش” هو “داعشي”. معادلة فظيعة، لا نعرف كيف تستقيم في رؤوس البعض.
حين يصبح الخطر ليس على الأبواب، بل في قلب الدار، سيصرّ هذا الفريق على الوقوف بوجه أي مساعدة من جانب “حزب الله” او الجيش السوري لردّ خطر التكفيريين عنّا. إن حصلت هذه المساعدة فعلا ستكون من منطلق التنسيق وتضافر الجهود أمام معركة مصيرية ووجودية قد تحلّل التعاون مع الشياطين للخروج من النفق الأسود. لكن السياديين سيرفضونها حتما.
هم أيضا يرفضون الأمن الذاتي. يطالبون الجيش وحده، الذي يستجدي تسليحه، أن يتصرّف، فيما همّ يكبّلونه بالشروط. لا يحسمون، ولا يحيدون عن درب من يريد أن يحسم..!

قد يعجبك ايضا