موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

سأحرق نفسي…

محمد نمر – النهار

لأن الموت بالنسبة إليه أرحم من أن يعود إلى المنزل من دون “حق الأكل” لأطفاله الثلاثة، قد يكرر جابي الإكراء محمد عون محاولة احراق نفسه، لكن هذه المرة “ليس وحده” بحسب ما يقول. فيوم الاثنين الماضي، أحضر المياومون خلال احتجاجهم أمام “مؤسسة كهرباء لبنان” البنزين لاشعال الاطارات واقفال الطرق، لكن محمد سكب البنزين على نفسه فسارع رفاقه الى رميه بالماء.
ارتبط مصير عمل هذا الأربعيني ورزقه بعقد وقعته “كهرباء لبنان” مع شركات مقدمي الخدمات وستنتهي صلاحيته بعد نحو سنة وثلاثة اشهر، لتبقى امكانية تجديده رهن “القرار السياسي” وتقييم أداء الشركات.

عون ابن بلدة زبدين الجنوبية من مواليد العام 1974، من سكان الشياح، متزوج ولديه ميريام (6 سنوات) وسعيد (4 سنوات) وحسين (6 اشهر). كان سعيد وميريام يتلقيان تعليمهما في مدرسة خاصة، لكن هذه السنة سيسجلهما في مدرسة رسمية، بسبب تردي الوضع المادي وارتفاع أسعار الاقساط.
مدخوله لا يتعدى مليون و500 ألف ليرة أو أقل بحسب عدد الفواتير التي يجبيها، ويدفع من راتبه اقساط المدارس وإيجار المنزل ومصروف المأكل وطبابة الاطفال والقرض الشخصي (200 دولار شهرياً)، فضلاً عن مساعدته في مصروف والديه. هذا الراتب كان يوفر عيشاً مقبولاً للبناني منذ سنوات، لكن اليوم مع غلاء الاسعار والخدمات والضرائب، بات فقط السبيل للبقاء على قيد الحياة في هذه الجمهورية التعيسة.

الائتمان على الاموال

الديمومة في العمل همّ عون ودافعه لاحراق نفسه، فهو لا يريد سوى تثبيته في مؤسسة كهرباء لبنان بعدما قدم لها 11 سنة من الالتزام والعمل الجدي، كمتعاقد، ومهمته اليومية التنقل من منزل إلى آخر في دائرة الشياح، لقراءة العدادت وجباية الفواتير، ومعروف خطورة هذه المهنة عندما يصطدم الجابي مع مواطن يرفض دفع الفاتورة أو يكتشف انه يحصل على الكهرباء بطريقة غير شرعية.
ببساطة لا يكفي الراتب عون، لكن لماذا لا يؤمن وظيفة أخرى كي يزيل العجز؟ يجيب: “لقينا شغل وما اشتغلنا؟ ومين بشغلني وأنا عمري 40 ولا أحمل سوى شهادة بريفية؟”. عون ليس خبيراً سوى في هذا العمل واساسه “الائتمان على الاموال”، فهو يجول في الشوارع حاملاً معه أكثر من 40 مليون ليرة لبنانية، ويحرص على ايصالها الى المؤسسة حفاظاً على صيته وعمله.

من البحر الى الكهرباء

هذا الحارس لأموال الدولة وجابيها كان يعمل بحاراً، يتنقل عبر البواخر ويؤمن سيرها وصيانتها، وسائقاً خاصاً إلى أن بات جابياً.
قبل توظيفه في إحدى شركات مقدمي الخدمات، كان عون مرتاحاً الى الراتب رغم عدم تثبيته أو ضمانه، وكانت مؤسسة الكهرباء تعطيه راتباً كأجير وفق الحد الادنى للاجور (675 الف ليرة) و10 الاف على كل مليون ليرة يحصّلها، وبهذا لا يقل راتبه عن مليون و600 الف ليرة لبنانية شهرياً وقد يتخطى المليونين، خصوصاً في أشهر الصيف التي يصرف فيها المزيد من الطاقة بسبب استخدام المكيّفات، اما اليوم مع إحدى شركة مقدمي الخدمات، فبات “مثبتاً” ومضموناً ويحصل على راتب عبارة عن الحد الادنى وبدل النقل و800 ليرة عن كل فاتورة بعد تحصيل أولاً 1300 فاتورة من دون مقابل، مهما كانت قيمتها.
انتظر عون 11 سنة كي يتم تثبيته في مؤسسة الكهرباء، والحصول على امتيازات موظفي الدولة من تقاعد وتعويض وحسومات 80% للمدارس وضمان وتأمين وراتب 14 شهراً ونسبة من انتاج المؤسسة، ويقول: “حقنا نتثبت، لأننا إذا أُصبنا او تعرض أحدنا لاطلاق نار خلال عملنا، ستؤمن لنا الطبابة وراتب الطرد التعسفي ثلاثة اشهر ويُقال لنا “باي باي”. أما في “كهرباء لبنان”، فحصل ان تعرض أحدهم للضرب في منطقة الرمل العالي، فتأمنت له الطبابة ولا يزال يعمل رغم اصاباته ويستلم راتبه”.
عقد المؤسسة والشركات حرم عون من الحلم، فهو يودع سنوياً زملائه من المؤسسة، وينتظر ان يحل مكانهم بسبب النقص، ويقول: “لدينا مشروع القانون الذي وقعه رئيس الجمهورية، ويجيز لنا ان التثبيت او ان نكون أجراء دائمين، لكن هناك من غيّر في ارقام الحاجات “بشحطة قلم” من 1350 إلى 897 موظفاً في المؤسسة، في الوقت الذي كان سبق واعلن للدولة انه بحاجة إلى 1391 شخصاً”، مذكراً بأنه “في كل سنة يخرج نحو 172 موظفاً بسبب التقاعد او لعمل آخر، وفي السنتين الماضيتني خرج 350 موظفاً، وبدل من ان يزيد عدد الحاجات جرى انقاصها”.

*ملاحظة: يتناول هذا المقال الجانب الانساني الاجتماعي لقضية المياومين، وينقل صرخة مواطن لبناني تهوي الطبقة التي ينتمي اليها يومياً الى أسفل، ولا يتطرق المقال الى أساليب احتجاج المياومين، او الى أحقية تثبيت العدد الكامل في “مؤسسة كهرباء لبنان”، من عدمها. لكن الأكيد ان صرخة محمد ورفاقه يجب ان تدفع الدولة الى اعادة النظر في الملف. فليس سهلاً ان يتوعد مواطن بالاقدام على محاولة إحراق نفسه مجدداً. لا يمكن إهمال الأمر.

قد يعجبك ايضا