موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

حزب الله: قاتلنا والجيش السوريّ في عرسال

نادر فوز – العربي الجديد

لم يصدّق أحد بعد أنّ معركة عرسال انتهت، وأنّ النيران والاشتباكات لن تعود إلى أحيائها ومحيطها اليوم أو غداً أو الأسبوع المقبل. عاد الهدوء إلى هذه البلدة عند الحدود الشرقية بين لبنان وسورية، إلا أنّ مفاعيل هذه الحرب لا تزال شاخصة أمام الجميع؛ بدءاً من ملف مخطوفي جنود الجيش اللبناني لدى جبهة النصرة وتنظيم “داعش”، وصولاً إلى حقيقة كون الحرب السورية خرقت الاسوار اللبنانية وباتت فتنة سنية ــ شيعية تنذر بسقوط الدولة اللبنانية وتهدد مؤسساتها العسكرية والأمنية.

كان حزب الله، بعسكره وآلياته وخططه، لاعباً خفياً في هذه المعركة. لم تظهر هذه القوة علناً في عرسال وجردها، إلا أنّ الحزب شارك ميدانياً في القتال إلى جانب الجيش اللبناني. هذا ما يؤكده أحد مسؤولي حزب الله لـ”العربي الجديد”.

لا يتردّد الرجل في الإشارة إلى هذه الحقيقة أو “هذا الواجب”، باعتباره أمراً مفروغاً منه. “نعم شاركنا في القتال”، يقول، مضيفاً أنّ تدخل الحزب “منع تمدّد المجموعات المسلّحة وساهم في تغطية حركة الجيش في مراحل عدة من المعركة”.

وفي التفاصيل، بعد ساعات على توسّع الاشتباكات وتطويق مراكز الجيش، أمّن حزب الله كثافة نارية لتتمكّن إحدى مجموعات العسكر من الانسحاب وعدم الوقوع في الاحتجاز. وفي وقت آخر، عمد الحزب إلى استخدام سلاحه المدفعي لإعاقة تقدّم المقاتلين السوريين في الجرد ومن التجوّل بحرية باتجاه غربي عرسال، أي صوب البقاع اللبناني.

مشاركة عسكريّة سوريّة

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل “قام الحزب بتأمين غطاء عسكري سوري، أيضاً، من خلال غارات جويّة وأخرى مدفعية”، وكان لذلك أثره على سير المعركة. الأهم من كل ذلك، بحسب رواية المسؤول في حزب الله، فإنّ عدداً من ضباط الجيش اللبناني طرحوا على قيادتهم التنسيق مع الجيش السوري. وأشاروا إلى وجود معاهدة ثنائية بين الجيشين والبلدين، ودعّموا طرحهم بـ”كون العدو واحد والمعركة واحدة بوجه الإرهاب”. إلا أنّ قائد الجيش، جان قهوجي، رفض الطرح. ووراء هذا الرفض “حسابات سياسية ورئاسية خاصة بقهوجي”، بحسب مسؤولي حزب الله. كما يشير أحد هؤلاء إلى أنّ “القيادة السورية طلبت إصدار قرار لبناني رسمي وعلني بالتعاون مع الجيش السوري”، وهو الأمر الذي لم يتمّ “نتيجة ضغوط قوى 14 آذار من جهة، ورغبة الحكومة اللبنانية في وقف الأعمال العسكرية وخوض المفاوضات مع المجموعات المقاتلة”.

تدرك قيادة حزب الله أنّ الجيش لم يكن قادراً على وقف النزف أو الحسم لولا مشاركة مقاتليها. فلا “أفواج الجيش المنتشرة في عرسال كانت أفواجا مقاتلة ولا الغطاء السياسي منح لفرقتي المغاوير والتدخل لاستكمال المعركة”. أما اليوم فلا يزال “الوضع مقلقاً” بالنسبة للحزب ومسؤوليه، نظراً للمعادلة الآتية: “جبهة النصرة موجودة في عرسال أما الجيش فغير موجود. تسيطر الجبهة على جرد البلدة أما الجيش فيحافظ فقط على نقاط أمنية قليلة”. قد يكون ملف الجنود المخطوفين مادة لإعادة إشعال المعركة، وقد تكون الحرب الدائرة في القلمون السورية ذريعة أخرى لـ”التنفيس عن الضغط العسكري الموجود على مقاتلي النصرة وداعش”.
قلمون السوريّة

أما معركة القلمون السورية، فلغة أخرى في منطق الحزب. فقيادته مرتاحة لسير الأمور هناك، بحسب ما تشير أجواؤه. لم تعد المعارك في سورية “حرب استنزاف بشري وعسكري أساساً”. هذا ما يريد حزب الله قوله. يبتعد مسؤولوه عن خوض النقاش في أعداد الخسائر البشرية في صفوف مقاتليه. يكتفون فقط بالقول “ليست حرب استنزاف”. هم يؤكدون “ارتياحهم العسكري والشعبي”، ولو أنّ مجموعات المعارضة السورية تنقل يوماً تلو الآخر معلومات وصوراً عن استهداف مواقع حزب الله والنظام السوري في قرى القلمون.

حزب الله مطمئنّ لـ”الحاضنة الشعبية” في البقاع (شرق لبنان). يقول أحد مسؤوليه إنّ “هذه الحرب في السورية تلقى أكبر دعم وتفهّم شعبي في بيئة الحزب”. يشير المتحدث إلى أنّ “كل البقاع بات إلى جانب المعركة على الإرهاب، أي مع حزب الله”. وفي حال استثناء عرسال، التي تعتبر متنفّس المعارضين السوريين وحديقتهم الخلفية وخزّانهم الاقتصادي والبشري، كل البقاع الشمالي يسير مع خيار الحزب، بطوائفه المسيحية والإسلامية.

حزب الله “المنقذ”

أما في الصالونات السياسية اللبنانية، الخاصة بقوى 8 آذار و14 آذار، فلم يعد النقاش دائراً عن مسؤولية حزب الله في جرّ هذه الفتنة إلى البلد، نتيجة تدخله العسكري على الأرض السورية. أغلق السياسيون محور النقاش هذا وباتت المادة الأساسية تتمحور حول كيفية إعادة إقفال الحدود أمام الفتنة وردّ “الإرهاب” المتمثل بداعش والنصرة. يستفيد حزب الله اليوم من هذه المعادلة، باعتراف مسؤوليه. اقتنع جزء كبير من اللبنانيين أن “سلاح الحزب يحميهم من تمدّد الإرهاب والتكفير” على حد تعبير المسؤول في الحزب، لذلك لم يعد يجد أي مانعٍ في إخفاء مشاركته العسكرية في عرسال، لا بل أنّ “خطر الإرهاب” بات مادة سياسية دسمة مكّنته من قلب معادلة فكرية لطالما كانت تعتبر سلاحه غير شرعي، وأنه يُستخدم لتنفيذ انقلابات سياسية في الداخل اللبناني (أحداث 7 مايو/أيار 2008).
تشير قراءة حزب الله في هذا الإطار إلى أنّ “ما بين 70 إلى 80 في المائة من المسيحيين باتوا يدعمون الحزب في هذه المعركة”. حتى في معراب، مقرّ حزب القوات اللبنانية الخصم الأشدّ لحزب الله، “ثمة قوتيْن أبلغوا سمير جعجع أنهم مستعدّون لحمل السلاح إلى جانب حزب الله للدفاع عن أرضهم وعائلاتهم”. تبقى الطائفة السنية ساحة متفجرة بوجه الحزب. لذلك، تراهن حارة حريك (مقر قيادة الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت)، بحسب مسؤولين فيها، على الوقت “حتى يقتنع سنة لبنان عموماً والشمال تحديداً، أنّ المشروع الإسلامي المتشدد الذي يستقطبهم يرتدّ عليهم قتلاً وتنكيلاً من قبل حكّامه ومجموعاته المسلّحة”. يعترف المسؤول نفسه أن الساحة السنية لا تزال “غير متفهّمة” لما يجري “وتعتبر المعركة موجهة ضدها”.

في الوقت عينه، يفتح اعتراف حزب الله بمشاركته العسكرية في معارك عرسال، أبواب الخطر على الجيش اللبناني. فأصبحت المؤسسة العسكرية مستهدفة أكثر، ولم يعد وقوف الجيش إلى جانب الحزب والنظام السوري مجرّد اتهام يطلقه فصيل مقاتل في سورية، أو نازح سوري من القلمون أو القصير. ولا يقف التهديد عند هذا الحد، باعتبار أنّه يمكن لهذا الواقع ان يدفع عشرات الجنود في الجيش إلى الانشقاق عنه، تماشياً مع موجة التشدّد كردة فعل على أداء قيادة الجيش وقرارها السياسي، مع العلم أنه حتى الساعة، سُجِّلَت ثلاث حالات فردية انشق فيها جنود لبنانيون وانضموا إلى فصائل سورية معارضة.
يبدو حزب الله مرتاح لسير الأمور على الرغم من دقة المرحلة والواقع الخطر في عرسال وشمال لبنان. لماذا هذا الارتياح على رغم الحرب عند الحدود الشرقية وقابلية الساحة السنية إلى الذوبان في مشروع التشدد؟ ربما لأنه بات لسلاح الحزب غطاءً سياسياً محلياً وبدأ يكتسب شرعية شعبية بوجه الإرهاب.

قد يعجبك ايضا