موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

والدا علي السيّد وعباس مدلج…من أين لكما هذه القوة؟

ساريتا سعد – النهار

علي السيد وعباس مدلج، شهيدا المؤسسة العسكرية لا بل شهيدا الوطن بأسره، لم تترك حادثة ذبحهما، من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية”، منزلاً إلا ومسّت أهله بشعلة الحزن الحارقة، فأبكت قصتهما الحجر، ولوّعت قلوب الكثيرين، ليجمع الحزن الشعب اللبناني بكلّ أطيافه وطوائفه.

إنّها موجة الإجرام، تأخذ في مدّها الأرواح البريئة التي لا ذنب لها إلّا انّها أحبّت أهلها وأوطانها، فسقطت شهيدةً في أرضٍ غريبةٍ، ووقعت ضحيّة القرارات السياسية الخاطئة والحسابات “الملغومة”.

مصيبة أحمد السيّد، والد الشهيد، المسلم السنّي هي عينها مصيبة علي مدلج، والد الشهيد، المسلم الشيعي، فالموت لم يميّز بين ولديهما العسكريين الذين لم ترحمهما الأيدي الآثمة.

بلوعة قلب أبٍ، فقد سنده وقطعةً من روحه، يقول والد الشهيد علي السيّد انّ المسؤولين، من نوّاب إلى وزراء، لن يشعروا بحجم ألمه وجرحه: “لو كان أحد أولاد هؤلاء من المخطوفين… لشعروا بوجعنا ومعاناتنا ولأداروا المعركة بطريقة مختلفة”.

يستذكر الأب المفجوع، علي، الإنسان، المهذّب، والهادىء، الذي أحبّ المؤسسة العسكرية، والذي كان جدّ متعلّق بعائلته وابنته، لكنّ الغصّة تمنعه من إتمام حديثه عن شخص ابنه الشهيد… وبالرغم من المصيبة التي ألمّت به، أكد أحمد السيّد انّه “لم يندم قطّ على تشجيع ابنه للدخول في السلك العسكري”، مضيفاً “أشجّع الجميع على الإنضمام إلى المؤسسة العسكرية فهي التي تحمينا”.

وعند سؤاله عمّا يريد قوله لابنه الشهيد، علقت الكلمات في حنجرته وخانته مشاعر الأبوّة فباح قلبه بسرٍّ أراد العقل كتمانه: “الله يظلم اللي ظلمك يا ابني”، لتترك هذه العبارة وقعاً خاصاً على القلوب، يمسّ أعماق النفس البشرية.

أمّا الشهيد عباس مدلج، الذي وصفه من عرفه بالإنسان المقدام والقريب من القلب، الذي لا تفارق الضحكة ثغره فمن أين أتى والده بكلّ هذه القوّة؟

ما جرى لعباس روّع كلّ عينٍ وقعت على المشهد الإجرامي فهل رأى والده الصور؟ هل قويَ على مشاهدة الفيديو؟ الارجح لا. وربما نعم.
يشعر المرء بالخجل حين يتوجّه إلى والد شهيد بأسئلةٍ من نوع، “كيف لك ان تقول ما قلت؟ ومن اين خرجت تلك الكلمات؟ من اي عقل موزون؟ وهل بقي للعقل مكان؟”.

يجيب السيد علي مدلج، من دون تردّد، على أسئلتنا التي تبدو لوهلة ساذجة: “انه الايمان، فلا الثأر من الابرياء يعيد عباس ولا الفتن كذلك، فتلك أشياء تخدم مصالح القاتل”.

يصمت لبرهةٍ قبل أن يتابع: “ومن قال أني لا أريد ثأراً؟ من قال أني لست مستعداً لحمل السلاح، انا ابن الخمسين عاماً لن أبخل على وطني بالدماء… وبالمناسبة كلامي ليس محاكاة للوطنية انما ينمّ عمّا أؤمن به”.

وللايمان الديني حيّز بتقبل الفاجعة، فعباس الشاب الذبيح ينتمي الى عائلة تؤمن ان “الدم ينتصر على السيف”. ولسنوات، استمع أهله جيداً للسيرة الحسينية التي تروي كيف قطع رأس الامام الحسين من قبل أعدائه.

يقول والد عباس: “انه التاريخ يعيد نفسه، يُعيدنا 1400 سنة الى الوراء…”. ويُسقط والد عباس “واقعة الذبح الكربلائية” على الشهيد علي السيّد أيضاً، “المظلوم الذي فدى بدمائه الآخرين”.

ويتوعد الوالد المفجوع بأن دماء علي وعباس لن تذهب هدراً، رافضاً الاتهامات التي يوجهها البعض الى المؤسسة العسكرية بسوء ادارة المعركة، ذلك ان “القرار السياسي ليس في يد الجيش بل الحكومة”.

وهكذا، بصبرهما واعتدالهما، كتب علي مدلج وأحمد السيّد بدماء ابنيهما المستقبل الذي ينشدانه لبلاد عانت الكثير، وخسرت العديد من أبطالها، فكانا مثالاً للمواطنية والتضحية في سبيل المصلحة الوطنية في حين فتحت التربة قلبها لاعتناق الشهيدين الذين روت دماؤهما جذور الوطن فأزهر التاريخ: بطلان جديدان من بلادي…

قد يعجبك ايضا