موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

مسافر غير عادي.. في مطار بيروت

واقع حال قاعة الوصول في مطار بيروت الدولي تعبّر عن وجع هذا الوطن من كثرة مغادريه وقلّة الوافدين إليه، حتى بات الخبر السار القادم على أجنحة الطائرات أو في حقائب الزوّار كفيلاً بإطاحة أوجاع السياسة وهموم الأمن… وبالأمس فقط عمّت الفرحة في مطار بيروت على وقع نوتات لعبها الشاب اللبناني الموهوب معن حماده على بيانو موضوع في قلب قاعة الوصول.

مساء أمس، كان الجميع ينظر باستغراب إلى آلة البيانو الموضوعة داخل قاعة الوصول في مطار بيروت… يدورون حولها ويراقبونها متسائلين عن أسباب وضعها هناك، خصوصاً في غياب أيّ إعلان عن إحياء حفلة موسيقية في المكان.

وبقيت الأسئلة من دون أجوبة، وبقي البيانو في مكانه صامتاً لا تحرّك أوتاره أنامل أيّ عازف بل تهزّها أصوات الشباب والصبايا الذين تجمهروا في القاعة حاملين يافطات وصوَر شاب لا يبدو وجهه مألوفاً لكثيرين، لكنه معروف بشكل واسع لدى روّاد مواقع التواصل الإجتماعي وخصوصاً «يوتيوب»، فمن هو؟

منذ حوالى شهر تقريباً، وأثناء إجرائي التصفّح الروتيني لمواقع التواصل الإجتماعي، لفت نظري فيديو منشور على «يوتيوب» تحت عنوان «Für Elise in Different Tastes» ولا تزيد مدته عن 6 دقائق، وهو يظهر تصوير شاب يعزف على آلة بيانو في قاعة انتظار أحد المطارات، ولأنّ العزف جميل قررتُ متابعة المشاهدة حتى اكتشفتُ أن الشاب لبناني الهوية بسبب بعض الكلمات المتبادلة في الفيديو، فازدادت حماستي للمشاهدة، خصوصاً أنّ العزف ازداد جمالاً وتعقيداً من الناحية التقنية مع إدخال مقاطع شرقية على واحدة من أهم إبداعات بيتهوفن.

تأثرت كثيراً بالفيديو وقررت في تلك الليلة إيفاء هذا الشاب بعضاً من حقّه، فكتبت قطعة صغيرة تحت عنوان «لبناني يتحدى بيتهوفن في براغ» ولم يكن الفيديو قد نال حينها أكثر من 100 مشاهدة على «يوتيوب».

توالت الأيام وأخذ عدّاد المشاهدات يدور صعوداً بالآلاف حتى نال الفيديو حوالى مليون مشاهدة في غضون بضعة أيام، عندها انتبهَت وسائل الإعلام إلى موهبة معن حماده بعد حوالى أسبوع من نشر الفيديو، فانهالت عليه المقابلات وارتفعت وتيرة المقالات المكتوبة على وَقع ارتفاع منسوب المشاهدات على «يوتيوب».

وفي غضون أقل من شهر، حقّق الفيديو أكثر من 12 مليون مشاهدة على «يوتيوب» ليتفوّق على الكثير من فيديو كليبات المطربين اللبنانيين والعرب. وفي أقل من شهر، تحوّل معن حماده من مجرّد شاب لبناني يعمل كمستشار تكنولوجي متواضع في إحدى الشركات الخليجية إلى ظاهرة فنيّة عالمية تحدثت عنها غالبية الصحف العربية والأجنبية فضلاً عن محطات التلفزيون والمقابلات الإذاعية.

ومعن، ليس خرّيج برامج اكتشاف المواهب ولا الطفل المدلل لإحدى شركات الإنتاج الضخمة، بل هو صاحب موهبة أصيلة عبّر عنها بشفافية في قاعة مطار براغ، وكانت هي الشرارة التي عرّفت العالم الى الجانب الجميل من وطننا لبنان القادر، ليس فقط على تصدير المهاجرين، بل أيضاً المبدعين.

وبالعودة إلى قاعة الوصول في مطار بيروت، كان من المتوقع أن يصل معن حماده بالأمس كأيّ مسافر عادي، لكنّ أهله وأقرباءه أرادوا له عودة تليق بالشهرة التي حققها في فترة قليلة، فحضّروا له استقبالاً حافلاً وفاجأوه بوَضعهم آلة بيانو داخل القاعة.

وما أن فُتِح الباب المتحرّك وطلّ حماده حتى تعالت الصيحات المرحّبة التي لفتت أنظار كلّ مَن تواجد في القاعة، وكانت المفاجأة الكبرى عندما اكتشف معن وجود بيانو في القاعة، فسارع للجلوس عليه وعزفَ أجمل ما ابتدعه خلال الشهر الماضي. وهكذا، ومرّة جديدة، تحوّل المنتظرون في المطار إلى جمهور مشاهدين لحفل موسيقي لا يقوده مسافر شرقيّ في الاغتراب، بل يقوده هذه المرّة مشهور عالمي جديد يحمل الهوية اللبنانية.
جوزف طوق | الجمهورية

قد يعجبك ايضا