موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

عن ذبّاح “داعش” الافتراضي.. ووالده وجده

حين بثت وسائل إعلام لبنانية أشرطة يظهر فيها عنصر «داعش» الذي تولى ذبح الجندي اللبناني في جرود عرسال، وقالت إن الذبّاح هو لبناني من مدينة طرابلس ومن آل الميقاتي، اختلط الأمر على الطرابلسيين، فمنهم من قال إنه بلال عمر الميقاتي، ومنهم من قال إنه ابن عمه عمر أحمد الميقاتي. والحال أن الفتيين هما من عناصر «داعش»، وهما مع والد عمر، أي أحمد، من عناصر المجموعة التي تتمركز في جرود عرسال، والتي خطفت الجنود اللبنانيين.

لكن محاولة البحث عن سيرة «ذبّاح داعش» الافتراضي، والذي عاد ونفى أن يكون قد أقدم على فعل الذبح بيده، على رغم أنه أكد في شريط مصور أنه من عناصر المجموعة التي نفذت جريمة الذبح، ستصطدم في اختلاط الوقائع والتواريخ التي ينسبها من يعرفون العائلة لأفرادها. فالعائلة النواة التي خرج منها كل من بلال وعمر، تحولت إلى عائلة «جهادية» موسعة ضمت الكثير من «المجاهدين» ومن فتوات طرابلس. فتشابهت الأفعال واختلطت مهن البؤس والفقر بممارسات الفتوات. وصنعت أجيال ثلاثة في العائلة قابلية كبرى لأن يُصدق طرابلسيون كثر الأشرطة التي استخدمت لإثبات أن ابن مدينتهم هو «ذبّاح داعش».

فابنا العمان بلال وعمر متقاربان في العمر (19 سنة) والهيئة والسيرة إلى حد يصح معه خلط الملامح وإنتاج «ذبّاح واحد» من مزيج السيرتين والصورتين، وهذا الفعل (أي خلط السيرتين) وإن كان ينطوي على تجنٍّ على أحدهما (من لم يُقدم على الذبح) إلا أن إقرار الفتَيَان بأنهما من عناصر المجموعة التي نفذت عملية الذبح، يُخفف من وطأة التجني. وإذا كان من فارق في مستويي العنف الذي بلغاه، فإنه لمصلحة عمر الذي بلغ من العنف ما لم يبلغه ابن عمه بلال. فهو قبل أن «يُهاجر» إلى الجرود كان متهماً بقتل الشيخ سعد الدين غيي، وأيضاً بقتل علويين في جبل محسن. وهو وفق أبناء الحي الذي أقامت فيه العائلة قاسى منذ طفولته التي أمضاها في غياب والده الذي كان في السجن في حينه، وقبل السجن كان الوالد متوارياً في مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان. ونشأ عمر وكذلك شقيقه البكر، أبو بكر (وهو اسم وليس كنية) بعيداً من الوالد وعملا في بيع العصير والخبز على عربة متجولة في الأحياء القديمة لطرابلس. وقبل أن يُقتل أبو بكر خلال اشتباك مع الجيش اللبناني قبل حوالى سنة من الآن أوقفته الأجهزة الأمنية بتهمة تعاطي المخدرات، فيما يؤكد آخرون أن عمر أيضاً كان يتعاطى المخدرات الرخيصة الثمن المتفشية في الكثير من مناطق الأحزمة الفقيرة لطرابلس وأحيائها. وعُمر ضرب رقماً قياسياً في عدد مذكرات التوقيف الصادرة بحقه، فهو كان لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره وفاق عدد المذكرات بحقه الخمس عشرة.

يقول أحد أصدقاء أحمد (والد عمر) عن ابن صديقه: «عمر لا يذبح، صحيح أنه شجاع وقلبه حاضر وتربى في ليل هذه الأسواق الحالك، ووسط المعارك، إلا أنه لا يفعلها. لو أراد أن يقتل لكان انتقم لمقتل شقيقه أبو بكر على يد الجيش اللبناني. فعناصر الجيش موجودون، والمسألة لم تكن صعبة على فتى مثل عمر. الشباب هنا يعرفون كل شيء عن الحرب وعن استعمال السلاح من دون أن يكونوا قد خضعوا لدورات تدريب».

ولا تخلو سيرة بلال (ابن عم عمر وشريكه في خبر الذبح) من مؤشرات لا تستبعد تحوله ذبّاحاً وفق أحد عارفيه. فهو ابن عمر (عم عمر أحمد الميقاتي)، ووالده أيضاً ممن اعتقلوا في قضية الضنية (الإمارة التي أعلنتها جماعة «قاعدية» في شمال لبنان عام 2000)، وهو كان «شديداً» كما والده في الدعوة وفي القتال.

أما أحمد، والد عمر وعم بلال والبالغ من العمر حوالى 47 عاماً، والذي يُقال إنه أمير المجموعة الطرابلسية في «داعش» التي تتخذ من جرود عرسال مقراً لها، فقد كان مقاتلاً في صفوف حركة التوحيد الإسلامي في ثمانينات القرن الفائت، وفي عام 1986، عندما دخل الجيش السوري إلى المدينة اعتقل أحمد وأمضى في السجن بسورية 4 سنوات، وأفرج عنه بعدها بعفو عام.

عاد أحمد الى طرابلس. كان أمياً لا يجيد القراءة ولا الكتابة، وعمل في مهن كثيرة منها دهان موبيليا ومنها بائع خبز، وتزوج بابنة عمه. وفي أواسط التسعينات تعرف إلى بسام كنج (أبو عائشة)، والأخير كان عائداً لتوه من رحلات جهادية في أفغانستان والبوسنة، وكان ارتبط بشبكات «جهادية» غير لبنانية خلال إقامته في أميركا. وبينما يشير بعض عارفيه إلى أنه اعتنق «السلفية الجهادية» في السجن بسورية، بعد أن كان مجرد مقاتل في أزقة طرابلس، يؤكد آخرون أن تحوله من مقاتل أزقة إلى مقاتل سلفي تم على يد «أبو عائشة»، لا سيما أن الأخير كان يُعد العدة لإعلان «الإمارة» في جرود الضنية.

ويبدو أن أحمد زاوج بين سلفيته وبين فتوته في الحي، ذاك أنه لم ينكفئ طوال سيرته وحتى مغادرته إلى الجرود عن ممارسات الفتوات لجهة فرضه مع مجموعته إتاوات، وتلقيه تمويلاً لمجموعته من سياسيين ووجهاء في المدينة.

في عام 2000، وبعد معركة الضنية التي ارتبط اسمه بها، توارى أحمد وغادر إلى مخيم عين الحلوة، حيث أقام بحماية جماعة «جند الشام». بقي هناك حتى عام 2003، وخلال هذه الفترة ارتبط اسمه بعدد من محاولات التفجير، منها تفجير محال ماكدونالد التي كُشفت قبل تنفيذها. واعتقل في بيروت خلال ما سمي محاولة تفجير السفارة الإيطالية.

لم يُفرج عنه بالعفو الذي صدر بحق «جماعة الضنية». فقد كانت هناك قضايا أخرى بحقه. وأنهى مدة الحكم الصادر بحقه في عام 2010. وأفرج عنه وعاد إلى طرابلس.
لكن حكاية «آل الميقاتي» كما يسميهم سكان منطقة خان العسكر في طرابلس القديمة تبدأ من حكاية الجد الذي كان في سبعينات القرن الماضي جندياً في الجيش اللبناني، وانشق عن الجيش خلال انشقاق ما يعرف في تلك الفترة بجماعة «جيش لبنان العربي».

الوقائع التي تتخلل سيرة العائلة تحيلك إلى ما لا تعرفه عن حياة الفقراء. تلك الوقائع شديدة الخفة والقسوة في آن واحد، ولا تجد لها أثراً في حكاية طرابلس عن نفسها، ذاك أنها تُشعرك بأن هؤلاء الناس، في تخبطهم في فقرهم، صامتون حياله وقابلون به. فبعد انشقاق الجد عن الجيش اللبناني انتقلت عائلته من منزل كانت تقطنه في ساحة النجمة وسط طرابلس، إلى خان العسكر، وهو مبنى عثماني قديم وكبير، أقام فيه أشقاء الجد وأبناؤهم وأحفادهم. حوالى 200 شخص من العائلة كانوا يقيمون في خان العسكر، وهو أشبه بحوش كبير توزع غرفه على ساكنيه مراعية الترتيب الجندري والعمري.

كان لأبو أحمد (جد عمر ووالد أحمد) سبعة عشر ابناً وابنة، وحصته من غرف الخان الذي انتقل للسكن فيه وسط عائلته الموسعة، كانت غرفة واحدة، وهي طبعاً لا تتسع لهذه العائلة الكبيرة. فقرر الرجل أن ينتقل هو وأبناؤه الصبيان الصغار للإقامة في مبنى مهجور بالقرب من منطقة البداوي على شاطئ البحر، أما الأبناء الكبار فتوزعوا على المساجد المحيطة بخان العسكر، ينامون فيها في الليل وفي النهار يتوزعون على أعمال متقطعة كانوا يتقاضون منها عائدات قليلة.

عمل الجد في مهن كثيرة، لكن أبناء الحي لا يعرفون ترتيباً زمنياً لعمله فيها، ذاك أنه من المرجح أن يكون قد عمل في أكثر من مهنة في وقت واحد. فهو كان يبيع الخبز وكان يعمل على بسطة لبيع الكتب القديمة. وفي الوقت نفسه، وعندما كان يتوجه إلى ذلك المنزل المهجور قرب البحر لتمضية الليل فيه، كان يعمل في صيد السمك هناك، وهو ما أدى إلى بتر يده وفقء عينه خلال صيده السمك بالديناميت.

يقول أبو خالد، بائع القهوة في سوق العطارين إن أبو أحمد الميقاتي عندما أشعل فتيل الديناميت ليرميه في البحر كان ابنه وشقيقه وابن شقيقه في السجن بسورية. وأخبره الميقاتي أن صورهم لاحت في ذهنه فنسي أن بيده الديناميت مشتعلاً.

يجد آل الميقاتي من ينفي عن ابنهم تهمة الذبح من سكان حيهم في طرابلس، ويجدون أيضاً من يتوقع أن تثمر هذه التراجيديا ذبّاحاً. لكن الأكيد أن عمر الميقاتي لم يولد ذبّاحاً في الجرد.
حازم الامين | الحياة

قد يعجبك ايضا