موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

المياه في الضاحية… غير صالحة حتى “للاستخدام”

نهلا ناصر الدين – البلد

في الضاحية الجنوبية “ما في داعي تنزل عالبحر… البحر بيطلع لعندك” مياه الخدمة في ضاحية بيروت الجنوبية هي أقرب إلى بحرٍ موزّع على البيوت بأملاحه وترابه وملوثاته وكل ما فيه من مواد مجرثمة، والحل الوحيد إما مدّ شبكات مياه من مصلحة مياه بيروت “المقطوعة عادةً” أو “روح شراب من ميّة البحر”.

هو وضعٌ ليس بالجديد على أهالي الضاحية الذين اعتادوا على ملوحة المياه وتلوّثها، ولكن أثّرت أزمة المياه بشكل عام ومنسوب المياه المنخفض في الآبار الإرتوازية بشكل خاص سلباً على معدّل ملوحة المياه وتلوّثها الذي فاق المعتاد وحدود التحمّل.

قرف لا يُحتمل
يتحدّث أحمد وهو من سكان حي السلم لـ”البلد” عن معاناته هو وعائلته مع هذه المشكلة التي “زادت عن حدّها” على حدّ قوله “أنا أسكن في الضاحية مع عائلتي منذ خمس وعشرين سنة تقريباً، استخدم مياه البئر المالحة للاستعمال اليومي، وأشتري مياه الشرب، وأدفع مقابل ذلك فاتورة سنوية عالية. أما اليوم ونسبة لارتفاع ملوحة وتلوث المياه أصبحنا مضطرين لشراء مياه للتمضمض أو لتنظيف الأسنان لأن نسبة القرف التي في المياه لا تحتمل أبداً”.

أمراض جلدية
أما زينب وهي من سكان المريجة وأم لطفلين فتعبّر عن استيائها من تلوث مياه الخدمة التي سبّبت لها مرضاً جلدياً ولذلك تقوم زينب بشراء المياه ليس فقط للشرب بل للاستحمام أيضاً، تخوّفاً من ظهور الحساسية في جسدها مجدّداً وخوفاً على أطفالها من أي مرض جلدي يمكن أن تنقله البكتيريا التي تحملها مياه الخدمة لأجسادهم الصغيرة.

لون غيرطبيعي
وتختلف نسبة التلوث والملوحة بين منطقة وأخرى في الضاحية تبعاً لكثافة السكان وارتفاع أعداد الآبار الارتوازية المحفورة في كل منطقة، تقول أم علي وهي من سكان السان تيريز “نقوم بغسل الخضار والفواكه بمياه الصحة لأن ملوحة المياه ارتفعت خلال الشهرين الماضيين بنسبة لا تُطاق بالإضافة إلى التلوّث الذي يظهر بشكل واضح أول ما تفتح الحنفية حيث يكون لون المياه مائلاً للأحمر ويحتاج إلى فترة من الزمن ليستعيد صفاءه هذا بغض النظر عن ثقل المياه ورائحتها القريبة إلى رائحة التراب أو الحديد”.

آبار عشوائية
وعندما راجعنا وزارة الطاقة بهذه المشكلة كان جوابها أن أهالي الضاحية هم من يتسبب بالمشكلة لأنفسهم، فمؤسسة مياه لبنان تقوم بإيصال مياه حلوة وصالحة للضاحية الجنوبية، ولكنها ليست مسؤولة عمّن يقوم باستخدام مياه الآبار التي باتت غير صالحة للاستخدام بسبب قيامهم بحفر آلاف الآبار دون تراخيص، بالإضافة إلى مشكلة الشح على أثر انخفاض منسوب معدل أمطار وثلوج شتاء 2013 ، ما أدى إلى عدم تغذية المياه الجوفية وتفاوت مياه البحر مع مياه الآبار المستخدمة.
وأوضحت مستشارة وزير الطاقة رنده نمر لـ”البلد” أن ثلاثة أرباع الآبار في بيروت أصبحت مالحة وغير صالحة للاستخدام لأنها تقوم بضخ أكثر من إمكاناتها، فتصاب بالتملح نتيجة انخفاض منسوبها عن مياه البحر. وكثافة حفر الآبار غير الشرعية بهذه الطريقة، كما استهلاك كميات كبيرة من المياه أكثر مما هو متوفر في الطبقات الجوفية أدى إلى اختلاط مياه البحر مع مياه الآبار.
وعندما واجهنا إحدى بلديّات الضاحية الجنوبية بالسؤال “من المسؤول عن حفر الآبار غير الشرعية؟” كان الجواب “الوزارة تمنع حفر الآبار والبلدية تقوم بتطبيق القوانين، ولكن كل الآبار التي حُفرت، تم حفرها بالسرّ..!”.

الحل
أما الحل فهو في “توقيف التعديّات وحفر الآبار العشوائية والاعتماد على مياه مؤسسة مصلحة مياه لبنان حتى ولو كانت قليلة وشحيحة، فعليهم التكيّف مع الوضع والأزمة، وإلا هم مضطرون لاستعمال المياه المالحة كما يفعلون اليوم” كما أشارت نمر.
وتجدر الإشارة إلى أن مياه الشبكات العامة التي تضخ إلى منازل الضاحية ليست أفضل حالاً من مياه الآبار، فيتوجّب التذكير بأن الفحوصات التي أجرتها جمعية حماية المستهلك في لبنان واتحاد بلديات الضاحية كشفت عن وجود تلوّث كبير في المياه التي تضخ بواسطة الشبكات العامة إلى المنازل. وهو تلوّث يمكن أن يسبب التهاب الكبد الوبائي، ويترك آثاراً كبيرة في الجسم البشري بسبب وجود معادن من نوع الزئبق والزرنيخ والملوحة العالية، وسبب التلوث هو التعديات على الشبكة واختلاطها بمياه المجارير، كما أوضحت الفحوصات.

قروح جلدية
ويؤكّد أخصّائي في الأمراض الجلدية لـ”البلد” أن استخدام المياه المالحة هو من المسببات الرئيسية للإصابة بحساسية الجلد وجفافه، لافتاً الى أنه كلما زادت الملوحة في المياه، زاد أثرها السلبي على جفاف البشرة، كما أن الاستحمام المتواصل بالماء المالح يثير القروح الجلدية، بالإضافة إلى التسبب بحساسية في العيون وتساقط الشعر. كما أن استعمالها يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان، وذلك تبعاً لنسبة الملوّثات التي تحملها، إلى أمراض الجهاز الهضمي المتعددة في حال ابتلاعها عن طريق الخطأ.

أمر واقع
وما زالت المخاطر تتضاعف على كلّ المستويات، وتحوّل التلوث إلى أمرٍ واقع في لبنان بينما طبقت الدولة اللبنانية مع مواطنيها الكرام، المثل القائل “عاجبك… عاجبك… ومش عاجبك روح شراب من ميّة البحر…!”

قد يعجبك ايضا