موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

وادي خالد: الخوف من تجربة البقاع الشمالي

ثمة من بات يسأل في عكار، ولا سيما في وادي خالد عند القرى الحدودية، عن جدوى كميات السلاح المنتشرة بين أيدي المجموعات السورية التي تتخذ من هذه القرى ملجأ لها، وتتوزع في انتماءاتها بين “جبهة النصرة” و”داعش” وكتائب إسلامية أخرى و”الجيش الحر”.

ويأتي هذا السؤال، على خلفية المخاوف التي تكبر يوما بعد يوم من هذه المجموعات التي كانت في السابق تدخل الى سوريا لقتال الجيش السوري انطلاقا من القرى الحدودية، وكانت تعود إليها إما لتلقي عناصرها العلاج من الإصابات التي تلحق بها، أو للاستراحة والاستعداد لجولات قتالية جديدة. وقد دفعت القرى الحدودية ثمناً باهظاً جراء التعاطف الذي كانت تظهره مع هذه المجموعات، وتمثل بقصف مركز من قبل الجيش السوري لكثير من الأحياء السكنية التي كانت تنطلق منها هذه المجموعات.

أما اليوم، بعد السيطرة شبه الكاملة للجيش السوري على القرى السورية المتاخمة للحدود اللبنانية، وسقوط قلعة الحصن، وانتهاء الوظيفة العسكرية لهذه المنطقة ككل، فإن هذا السلاح بات يرخي بظلاله القاتمة على أبناء القرى الحدودية الذين يجدون فيه وظيفتين: الأولى، استخدامه عشوائيا من الأراضي اللبنانية باتجاه الجيش السوري، وما يمكن أن يرتب ذلك من استهداف مباشر بالقذائف لهذه القرى من الأراضي السورية. والثانية، استخدام هذا السلاح في وجه الجيش اللبناني كرد فعل على ما يجري في جرود عرسال، وما يمكن أن يؤدي ذلك من رد فعل مضاد من قبل المؤسسة العسكرية والأهالي على حد سواء، أو في توسيع رقعة المساحة التي تحتلها هذه المجموعات من عرسال الى عكار وصولا الى البحر، كما كان مخططا بحسب ما سبق وأعلنته قيادة الجيش اللبناني.

يمكن القول إن ثمة “مساكنة بالإكراه” اليوم قائمة بين أبناء قرى وادي خالد ومشتى حسن ومشتى حمّود، وهذه المجموعات المسلحة التي لا تزال تحظى ببيئة حاضنة إنسانيا واجتماعيا، فيما يُنظر إليها في الوقت نفسه بعين الريبة حول أجنداتها وتوجهاتها وارتباطها المباشر بـ”داعش” و”النصرة”.

ويبدو واضحا أن ما حصل في عرسال وكانت له تداعيات كارثية على الأهالي الذين دمرت منازلهم ونزحوا الى مناطق أخرى، فضلا عن مشهد ذبح العسكريين علي السيد (من فنيدق عكار) وعباس مدلج (من بعلبك)، كل ذلك شكل صدمة لأبناء وادي خالد و«المشاتي» الذين بدأوا يحسبون ألف حساب لأي تحرك يمكن أن تقوم به المجموعات السورية المسلحة التي بدأت العشائر تعمل على محاصرتها بطريقة غير مباشرة تحت عنوان “تنظيم أوضاع النازحين”، فيما يقوم الجيش اللبناني بإجراءات استباقية على صعيد المداهمات التي ينفذها في مخيمات النازحين في تلك المناطق والتوقيفات التي تتم بحق المشتبه بهم.

لا تأتي هذه المخاوف في وادي خالد و”المشاتي” من فراغ، حيث إن كثيرا من التقارير الأمنية تشير الى تنامي قوة بعض المجموعات التي تمتلك سلاحا خفيفا ومتوسطا، وهي على اتصال مباشر مع عدد من قادة “داعش” و”النصرة”، سواء في القلمون السورية أو في الداخل السوري.

فبعد انتهاء وظيفة الحدود الشمالية بسقوط قلعة الحصن، عاد العشرات من المسلحين الى القرى الحدودية اللبنانية وانضموا إلى من سبقهم والى عدد من أبناء تلك القرى من المتعاطفين معهم، ومنذ ذلك الوقت لم يشاركوا في أيّ عمل عسكري في الداخل السوري باستنثاء القيام ببعض الإستهدافات للجيش السوري على الحدود كان الرد عليها من الجانب السوري عنيفا، ما دفع الأهالي الى منع هذه المجموعات من القيام بأي خرق أمني، وصولا الى ملاحقة عناصرها وإطلاق النار عليهم خوفا من ردات الفعل السورية على الأحياء السكنية الآمنة.

وتشير المعلومات الى أن المسلحين ينقسمون الى ثلاثة أقسام:
الأول انكفأ وتخلى عن القتال وربما قام ببيع الأسلحة التي كان يملكها بهدف تحسين ظروف معيشته.

والثاني توارى عن الأنظار وبدأ بتنظيم المجموعات بانتظار تبدل الظروف أو تلقيه إشارة معينة من القيادات التي يرتبط فيها. وتؤكد المعلومات في هذا الاطار أنه بات على رأس كل مجموعة أمير تمت مبايعته، منهم ما هو معلن ومنهم من لا تزال أسماؤهم طي الكتمان، وذلك بهدف البقاء على تواصل تام مع قيادة القلمون إذا طلب من هذه المجموعات القيام بأيّ دور تزامنا مع ما يجري في عرسال، لكن حتى الآن لم يصر الى مبايعة أمير واحد لكل القرى الحدودية اللبنانية بسبب تشتت انتماء المجموعات المسلحة بين “داعش” و”النصرة” وكتائب إسلامية أخرى، والخلافات التي لا تزال قائمة بينهم.

أما القسم الثالث فقد آثر مغادرة القرى الحدودية إلى سوريا عبر تركيا للالتحاق مجدّداً بـ”داعش” و”النصرة”. وتشير مصادر أمنية الى أنه يسجل يوميا خروج عدد لا بأس به من الشبان، وأن بعضهم يقومون بإغراء أبناء تلك القرى من الفتيان والشباب للخروج معهم والالتحاق بالمجموعات الإرهابية.

وتشير المعطيات الى أن كثيرا من المجموعات المسلحة باتت تشعر بالقلق مع حراك العشائر والعائلات لمحاصرتها، ومن المداهمات المستمرة على مدار الساعة للجيش اللبناني، الأمر الذي يرفع من منسوب الخوف من إمكانية قيامها بأي تحرك عسكري لحماية نفسها، خصوصاً أن ثمة قناعة راسخة لدى أكثرية أبناء القرى الحدودية بأن وجود هذه المجموعات بداية كان لمواجهة الجيش السوري، لكن بعد انتهاء وظيفة الحدود، بات أي تحرك لها يهدد منطقة وادي خالد ومعها كل عكار التي تشكل الخزان البشري للجيش اللبناني أيضا، وأن كثيرا من أبناء تلك المناطق وجدوا أن كل ما أعطته عكار من دعم واحتضان لهذه المجموعات لم يشفع لابنها علي السيد في إنقاذه من الذبح.

أمام هذا الواقع بدأت فاعليات وادي خالد تكثف اجتماعاتها بهدف مناقشة الأوضاع الأمنية، وقد عقد لهذه الغاية أكثر من اجتماع في منزل رئيس بلدية مشتى حمود الدكتور فادي الأسعد بحضور رؤساء بلديات ومخاتير ومشايخ العشائر، فضلا عن اجتماعات في بلدات أخرى، وقد جرى التأكيد على ضرورة مراقبة تحركات المجموعات المسلحة. كما طالبوا الأجهزة الأمنية بتنفيذ خطة أمنية في عكار تماما كما حصل في باقي المناطق اللبنانية، بهدف اعتقال المطلوبين المعروفين من قبل الجميع.

وشددوا على ضرورة التعاون والتنسيق بين الأهالي والسلطات المحلية، وبالتالي التنسيق مع الأجهزة الأمنية. فضلاً عن ضرورة المطالبة بتكثيف الدوريات وإقامة حواجز التفتيش في كلّ المنطقة.

كما قرروا منع تجول النازحين السوريين خلال ساعات المساء، وتحديداً بعد الساعة التاسعة ليلا، لكن هذا القرار يبقى رهن التزام النازحين وبعض المجموعات التي بدأت تتمرد على قرارات العائلات والعشائر.

الواضح أن هاجس ما جرى عرسال بدأ يلاحق كل العشائر والعائلات في القرى الحدودية التي قد تتعاطف مع المعارضة السورية ومع النازحين وربما مع بعض هذه المجموعات، لكن شرط أن لا يكون ذلك سببا في إعادة سيناريو عرسال في وادي خالد.

(غسان ريفي – السفير)

قد يعجبك ايضا