موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

آباء الشهداء العسكريين: من أيِّ مصنع يأتون؟

لينا فخر الدين – السفير

كان على علي الخراط أن يعود، وكان على والده أن يستفيق من غيبوته. لا علي عاد من عرسال إلى صيدا ولا «أبو علي» خرج من غرفة العناية الفائقة. في منزل آل الخرّاط لا شيء إلا الحزن. عليا حائرة: على مَن تحزن أكثر، على والدها الذي ربّاها أم على شقيقها التوأم الذي لم يفارقها؟

أن يخيّرك الحزن بين زوج وولد، بين والد وشقيق، يعني أن مصيبتين تمشيان على طريق واحد في وقت واحد وتؤديان إلى «الجبّانة» ذاتها!
المأتم صار مأتمين، وها هي العائلة تعود إلى منزلٍ فرغ من سريرين، من رجلين مرّا من هنا وصارا اليوم من الماضي. تردد عليا: «كان أبي يحبّ.. كان علي يحبّ..». كانا وكانا وكانا.. ولكنهما صارا تحت التراب.

كثيرون اعتقدوا أن قلب «أبي علي» لم يقوَ على فراق ولده، فتوفّي بعد أقل من 24 ساعة على ورود خبر استشهاد علي في تفجير إرهابيّ استهدف آلية عسكريّة في عرسال. قد يكون ذلك صحيحاً، وقد لا يكون. أما اليقين فهو إن جنازتين خرجتا من شارع دلاعة. والعائلة التي كانت مكوّنة من 6 أفراد، صارت في يومٍ واحد: 4 لا غير.

ومن جديد يضعك الحزن أمام خيارين: الموت رمياً بالرصاص أو الموت نحراً. ومن جديد لم تختر عائلة حميّة شيئاً، هي كانت تريد أن يعود محمّد ونقطة على السطر.
في البداية، كتبت «جبهة النصرة»: «محمد حمية أول ضحية من ضحايا تعنّت الجيش اللبناني». تطوّع من يكذب أو يؤكد أو يشكك. هل يحصل أن تكون والدة حمية قد سقطت أرضاً، ثم وقفت، ثم سقطت، ثم..؟ والدة محمّد لم تسقط حتى الساعة، ولم تتّشح بالسواد.

كيف تصدّق أن ابنها الذي لم يبلغ الاثنين وعشرين ربيعاً بعد، صار جثّة هامدة؟ كيف تتيقّن أن العينين الخضراوتين الجميلتين قد تغمضان إلى الأبد؟ هي أمّ غير الأمّهات الأخريات اللواتي يفقدن أولادهن. فهي لم ترَ جثمان ولدها مسجياً بكفنٍ أبيض، وتتحلّق حوله نساء بلدته طليا لتعدّدن محاسنه، ولم تستيقظ صباح اليوم التالي لتزور قبره وتملأه بالورود. فلا جثّة لمحمد ولا قبر له حتى الآن. فكيف لأمٍ لم تشارك بمراسم الدفن والعزاء أن تقتنع بـ«الموت الافتراضي» لولدها!

وعلى عكس «أمّ محمّد»، صدّق «أبو محمد» حمية الخبر. قبل ذلك بساعات كان عقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه أن وسطاء أكّدوا له أن ابنه ما يزال يتنشّق الهواء!
الرجل الذي فقد ابنه، لم يتوعّد أحداً، لا بل بدا متماسكاً. منذ دقائق رأى ولده يبكي أمام ناظريه ويقول: «آخ يا الله دخليكن.. أنا رح إدفع التمن هلأ (سأدفع الثمن الآن)».. كيف لرجلٍ سمع صرخة ابنه يستنجد به قبل دقائق أن ينام؟ هل تغيّرت أحلام «أبو محمد»؟ وبدلاً من أن يرى ابنه يعود إليه مع أغراضه، أصبح يرى كيف خرجت روح محمد من جسده؟ وبدلاً من أن يتذكّر كيف كان اليوم الأوّل لمحمد في المدرسة، صار يتخيّل كيف قضى ولده يومه الأخير؟ وبدلاً من مشاهدة ألبوم صور محمد عندما كان طفلاً، صار يعيد عشرات المرّات فيديو مقتل ابنه، ويتوقّف عند سماعه صوت الرصاصة اللئيمة!

كيف لأبٍ أن يتعرّف على أناس جدد في حياته اليوميّة، وهو لم يتعرّف على مجرمٍ مجهول الهويّة قرّر في لحظة معيّنة أن يخرج مسدسه من جيبه وأن يضع إصبعه على الزناد، ثم يضع عينه فوق إبرة الرمي، ويطلق رصاصته، لتستقرّ في رأس ابن الـ22 ربيعاً.

يجلس معروف حمية بين المعزّين ويحمل استشهاد ابنه في كفّة ومصلحة بلد في كفة أخرى. كيف لرجل تأكد منذ ساعات قليلة من خبر استشهاد ولده، أن يحبس كلّ حزنه وغضبه و«يتنازل» عن قطع الطريق، بعد أن صار أمر قطعها «حقاً مكتسباً» لكلّ حانقٍ! يصيغ «أبو علي» جملة مفيدة، بالرغم من المصيبة. يضع ثأره عند آل الحجيري (ولا سيّما رئيس بلديّة عرسال والشيخ مصطفى الحجيري المعروف بأبو طاقية)، ولا يريد أن تقطع الطـريق على «أهـل السنة إذ أنهم أهلنا، ولا نريد أن يتعرّض أحد للنازحين السوريين»
تصرّف معروف حميّة خارج المألوف. غيره قد يدمّر بلداً عن بكرة أبيه لرؤية جثمان ولده، أما هو، فقد تنازل عن أبسط حقوق الأبوّة بقوله جازماً: «لا أريد جثة ولدي إن كانت الدولة ستبادلها بإطلاق سراح بعض المجرمين من رومية».

ومن جديد يضعك الحزن أمام خيارين: أيّهما تفضّل أن يكون ابنك، هل هو أوّل شهداء الجيش عند «داعش» أم أوسطهم أم آخرهم؟ هل تفضّل أن تبقى جثّة ولدك رهينة عند الإرهابيين أو أن «يحظى بنعمة القبر»؟ هل كنت تفضّل أن تبقى المؤسسة العسكرية تتهم ابنك بأنه «منشق» لمصلحة جماعات إرهابية، أم أن يقوم الجيش بترقيته فور استشهاده؟

ومن جديد لم يفاضل أحمد السيّد بين السيئ والأسوأ، فقط تلقّى «فيديو» ابنه يُنحَر من الوريد إلى الوريد، وهو جالس ربما على إحدى الكنبات التي كان يجلس عليها علي يوماً. لم يفتح الباب أمام الفتنة، فقط فتح الباب الذي يعلوه علم الجيش اللبناني أمام جثمان ابنه وراح يردّد «فدا الجيش»..
أين هو أحمد السيّد الآن؟ أحمد يجلس أمام قبر ابنه. أحمد يحمل حفيدته التي أضحت يتيمة قبل أن تبلغ السنتين. أحمد يجلس في خيمةٍ في ساحة الشهداء للمطالبة بتحرير زملاء علي المخطوفين عند الجماعات الإرهابية. وأحمد يذهب إلى منزل الشهيد عباس مدلج للوقوف «على خاطر» والده.
كيف لأبٍ يجلس في سيارة وخلفه جثّة ولده مقطّعة، ويصرّ أن يتوقف عند طريق القلمون الدوليّة لمساندة والد العسكري المخطوف المؤهل إبراهيم مغيط. والد الشهيد يضع حزنه في قلبه، ويسير نحو المحزونين ليخفّف عنهم!

ومن جديد يضعك الحزن أمام الخيارات: هل تفضّل أن ترى فيديو لابنك يُنحَر خطوة بخطوة، أم تكتفي برؤية صورة للجسد المقطّع دون صوت للألم والصراخ والبكاء؟ ومن جديد لم تختر عائلة عباس مدلج مصير ولدها، فقط تلقّت صورة أعضاء مقطّعة.. وأقامت العزاء لشهيد من دون جثّة.
يقف الوالد الخمسيني أمام التلفزيون ليقول بكبرياء: «خذوني إلى الجبهة لأقاتل في صفوف الجيش». يصدر بياناً يطالب فيه بعدم التعرّض للنازحين السوريين ويقول بأعلى صوته: «علي السيد وعباس مدلج شهداء الوطن». كيف لوالدٍ تتلاحق في ذهنه صور لابنه مذ كان طفلاً حتى صار شهيداً، أن يميّز بين الخطأ والصواب، أن يمنع العائلة أن تكون حطباً للفتنة السنيّة ـ الشيعيّة؟

ومن جديد يضعُك الحزن أمام خيارين: هل تفضّل أن يكون ابنك شهيداً بالتفجير أم بالذبح أو رمياً بالرصاص؟ ومَن جديد لم تسحب عائلة ضاهر أياً من الأوراق الخاسرة، بل جاءها الخبر: محمد ضاهر شهيداً بتفجير آلية عسكريّة. والد محمد لم يظهر في الإعلام، هو اكتفى بأن يكون بطلاً خلف السّتار. كيف؟ والد يعرف أن عرسال تغلي، فيقوم بتوصيل ابنه بسيارته إلى أقرب نقطة ليعود إلى خدمته في المؤسسة العسكرية. لم يقل الوالد أي شيء حتى الساعة، بقي يُمسِك بيد أم محمد وهي تبكي ابنها، وتكاد تقع أرضاً.

قد يعجبك ايضا