موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

بائعات هوى الأوتوستراد

محمد حجيري – المدن

لم أفهم تلك المرأة القميئة. سارعَت عند جسر خلدة إلى الإشارة لي بيدها كي تركب معي السيارة. فوجئت بأسلوبها غير المألوف لدى النساء، إذ من عادة الشبان التحرش بالفتيات، وليس العكس. خطر لي في تلك اللحظة أنها مجنونة.

صودف مع المشهد مرور عسكريين في سيارتهم، بدأوا بالضحك وصاحوا “طلّعها”. لوَّحت بيدي وبلغة الإشارات قلتُ ما معناه “تنقبر”. ابتعدت قليلاً عن تلك المرأة، ولم أفكر للحظة أنها تعمل في بيع الهوى، وتصطاد زبائنها العابرين بسياراتهم بين بيروت وصيدا…

بعد سكني في منطقة إقليم الخروب، بات عليَّ أن أعبر يومياً على الأوتوستراد بين بيروت وصيدا، حيث أصادف أموراً لا تعد لا تحصى، من بينها تلك المرأة التي ما زالت تفعل الفعل نفسه مع كل سيارة يقودها شاب أو رجل. وهي لا تقف في مكان محدد، قد يجدها العابر في بداية خلدة، وقد يراها في نهاية منطقة الدامور. والأرجح أن معظم الذين يسلكون الاوتوستراد بشكل يومي، قد حفظوا وجهها وشكلها المبتذل وحقيبة يدها الضخمة وقميصها الممزق وشعرها المجعد وبطنها المندلق.

تلك المرأة ليست بائعة الهوى الوحيدة على الاوتوستراد. هي واحدة من عشرات، لكنها الأشهر بينهن. تحوَّل بعضهن علامات “راسخة” على الطريق، وهنَّ لا يشبهن فتيات الهوى التقليديات، فيملكن من البشاعة ما يكفي، ولا يلبسن التنانير القصيرة (الميني جيب) ولا يضعن أحمر الشفاه ولا يصبغن شعرهن بالأشقر. ترى معظمهن يرتدي الـ”تي شيرت” والجينز. لا يقودهن قواد ولا يجلسن في وكرٍ ليلي، بل يظهرن منذ الصباح في تيه الهوى النهاري.

بدا لي أن بائعات الهوى على أوتوستراد بيروت – صيدا، يعشن في البراري، أو هنَّ متقاعدات، أو طُردن من أماكن الدعارة السرية المنتشرة في المدن الكبيرة والمنتجعات السياحية. تلك الفتيات، شناعتهن كافية ليُطردن من الدعارة السرية فلا يبقى أمامهن سوى ممارسة مهنتهن علناً. تقف إحداهن بشكل دائم تحت الجسر، والأخرى قبالة المسبح، والثالثة متنقلة، والرابعة تستجدي العابرين… الخ

في كل مرة، كنت أسأل في قرارة نفسي، كيف لتلك الفتيات البشعات القدرة على “اصطياد” الرجال؟ وكنت دائماً أفشل في إيجاد الجواب، لا سيما حين ألمح سيارات فخمة توقفت على جانب الطريق حيث يتفاوض أصحابها على ثمن اللحظات الحمراء. لكن أخبرني أحد الأصدقاء أن لدى بعض الرجال متعةً في إقامة علاقات مع نساء قبيحات في عالم الدعارة والغرف الحمراء.

ومنذ بدأت الأزمة السورية تأخذ أبعاداً حربية وتشهد حركات نزوح إلى لبنان، شهد الأخير موجة جديدة من بيع الهوى على الطرقات السريعة. فتيات بأزياء “النور”، كما يُطلق عليهن، ينتشرن في منطقة الدامور والسعديات وصولاً حتى وادي الزينة وصيدا. ذاع صيتهن برخص ثمنهن، لكنهن يُحدثن ازدحام سير بسبب توقف السيارات الفخمة لأجلهن. وسرعان ما اختفين عن الساحة، ربما انتقلن إلى أماكن أخرى أو وقعن في قبضة الأجهزة الأمنية.

حين قررت الكتابة عن تلك المرأة التي أصبحت مشهداً ثابتاً في يومياتي، لاحظت أنها هذه المرة تقف تحت لوحة إعلانية ضخمة في منطقة الدامور، كُتب عليها “كفى (وهي جمعية للدفاع عن حقوق المرأة)/ الهوى ليس للبيع”. بدا لي أنها لا تفهم من الإعلان شيئاً. ربما لم تقرأه، فهي لم تبارح مكانها منذ خمس سنوات، ما زالت تشير إلى السيارات العابرة، فيما تتضاعف بشاعتها وتزداد ثيابها ترهلاً. في الوقت نفسه، كانت القوى الأمنية اللبنانية تعلن عن توقيف عصابة مكوَّنة من أب يُجبر ابنته القاصر على بيع الهوى وشاب أدخل زوجته أتون الدعارة المستفحلة.

قد يعجبك ايضا