موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

آلاف السيارات ذات اللوحات المزورة في لبنان.. مشبوهة

ـ انتَ فلان؟
ـ ايه
ـ سيارتك مقفّلة مدخل موقف المحل!
ـ عفواً؟ أي محل؟
ـ «كرمينو» (حلويات «Cremino»)
ـ وين؟
ـ حارة حريك
ـ أنا سيارتي بمنطقة الحمرا
ـ لونها فضي السيارة؟
ـ ايه
ـ موجودة على مدخل المحل!

الحوار أعلاه حدَثَ عند الثالثة والنصف بعد ظهر أمس الأول، بين أحد موظفي محل الحلويات المذكور ومواطن. وتبين أن الموظف اتصل هاتفياً من رقم المحل، بعدما كان قد أطلَع جهازاً أمنياً على رقم لوحة السيارة (4850**ج) المركونة أمام محل الحلويات، بالقرب من حاجز للجيش، فأخبره الجهاز الأمني عن هوية صاحب رقم السيارة وزوّده برقم هاتفه الخلوي.

لم يعرف المواطن التفاصيل في البداية. ظنّ أن في الأمر لبساً عادياً. وعندما توجه إلى سيارته المركونة في الحمرا وتأكد من وجودها هناك وأنها ليست مسروقة، اتصل بموظف المحل، سائلاً: «هل يمكن أن أعرف نوع السيارة المركونة عندكم ورقم لوحتها ورمزها؟ لأن سيارتي هنا أمامي، وأريد أن أعرف كيف ولماذا حصلتم على رقم هاتفي؟». أجاب الموظف بأن السيارة «أصبحت مشبوهة بأن تكون مفخخة، لأنك تقول إنها ليست لك، بالإضافة إلى أن صاحبها متوار منذ نصف ساعة».

وفي مكالمة هاتفية ثالثة، أوضح الموظف أن السيارة «نوعها غريب، ورقم لوحتها ورمزها هو 4850**ج. اتصلنا بالقوى الأمنية. صاحب السيارة لم يظهر بعد». وحين طابق المواطن رقم لوحة السيارة المشبوهة مع رقم لوحة سيارته، تبين له أنهما متطابقان، فأبلغ المعنيين في جهازين أمنيين رسميين.

مع ذلك، أصيب بنوبة هلع. ساعة كاملة مرّت وصاحب السيارة المشبوهة متوار. «هل وصل خبير متفجرات؟»، سأل المواطن، هاتفياً، أحد موظفي المحل، فأجابه: «لا نعرف. اتصلنا بالمعنيين». أقفل الخط واتصل بأحد الضباط المعنيين في مكافحة الإرهاب، مستفسراً عن «أي جديد»، فأجابه: «واضح أن اللوحة مزوّرة، ومن المستبعد أن تكون السيارة معدّة للتفجير، لأن رقم اللوحة لا يتطابق مع نوعها المسجّل رسمياً في النافعة، وبذلك فإن السيارة مشبوهة جداً وهو أمر لم يحدث سابقاً إلا قليلاً، إذ تكون لوحة السيارة المفخخة، غالباً، متطابقة مع نوع السيارة الأصلي، لإبعاد الشبهة حين يتم ركنها».

وبينما صاحب السيارة المركونة لم يظهر في تلك الأثناء، طلب المواطن من أحد أصدقائه، ربيع.ي، التوجه إلى باحة موقف سيارات المحل المذكور في حارة حريك، للتأكد من نزع اللوحة عن السيارة في حال عاد صاحبها. وما إن وصل ربيع حتى اتصل بصديقه قائلاً: «الآن ظهرت صاحبة السيارة. كانت في مركز تجاري قريب، وهي تقول للأمن إنها على صلة قربى بضابط برتبة مقدّم في جهاز أمني. الاتصالات الهاتفية تنهال على العنصر الأمني الموجود هنا لضمان عدم توقيفها واحتجازها».

وفي حين كان المواطن يسأل أحد المحامين عن حيثيات الموضوع، اتصل ربيع قائلاً: «السيدة غادرت الموقف الآن. يقول أحد عناصر الأمن إن الموضوع تمت تسويته مع المعنيين. لكن اللوحة المزورة لم يتم نزعها، ولم يحضر أحد من قوى الأمن الداخلي للتحقيق مع السيدة أو حجز السيارة، وبذلك ربما لا يوجد محضر رسمي يوثّق ما حدث ويحدد المسؤوليات».

بعد مرور 25 دقيقة على مغادرة السيدة باحة المحل، اتصل أحد الضباط بالمواطن. عرّف عن نفسه وسأله عن «صفته»: «ما هو عملك؟ محام؟ طبيب؟ الخ..»، فأوضح المواطن أنه صحافي، وجرى نقاش توصّل في نهايته الضابط بالقول: «السيارة كانت أنقاضا وحدث خطأ تقني. الموضوع عندنا. نحن سنتابعه وفق الإجراءات القانونية، وأنا أتصل بك الآن انطلاقاً من واجبي المهني الذي يحتّم علي ذلك مع أي مواطن، لأطمئنك أن لا نيّة إرهابية أو أمنية خلف ما جرى مع صاحبة اللوحة غير الشرعية».

لكن المواطن طلب من الضابط منحه «أي ضمانات تثبت لي أن اللوحة سيتم نزعها، سواء تم توقيف السيدة أم لا، وأن يُفتح تحقيق أو يُسجّل محضر بما جرى لدى قوى الأمن الداخلي، لأن القانون ينصّ على أن يتم تسليم المزوّر لفصيلة الدرك في المنطقة التي جرى أو ظهر فيها التزوير». أجاب الضابط: «سنتابع الموضوع وفق الإجراءات القانونية، وسنتأكد من نزع اللوحة ونسجل محضراً رسمياً بما حدث».

أسباب التزوير
تطرح القصة أعلاه، وغيرها من قصص مشابهة وإن اختلفت دوافعها وأشكالها، سلسلة من الأسئلة، أبرزها: ما هي الإجراءات الرسمية التي ينبغي اعتمادها في حالات مماثلة؟ هل يجب توقيف صاحب اللوحة المزوّرة أم لا؟ من هي الجهة الأمنية المعنية في ذلك؟ كيف لصاحب اللوحة الأصلية أن يعرف ماذا ارتكب المزوّر سابقاً، من أفعال جنائية أو تجاوز رادار السرعة أو غيرها، إذا لم يتم التحقيق معه وتوثيق الإفادة لدى الدرك؟ ما هي الضمانة بأنه سينزع اللوحة غير الشرعية عن سيارته؟

بالإضافة إلى ذلك، ثمة أسئلة عن دور «الدولة» وقوى الأمن الداخلي، خصوصاً في ظل الوضع الأمني الراهن، أبرزها: ما هو عدد اللوحات غير الشرعية وأين انتشارها؟ ماذا تعرف الدولة، تحديداً وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي، عن هذه اللوحات وأصحابها وأماكن انتشارها؟ ما هي الإجراءات المُعتمدة لضمان عدم استثمار تزوير اللوحات في تنفيذ عمليات إرهابية؟ من أين يتم شراء اللوحات غير الشرعية وهل من الممكن ضبط بيعها والسيطرة على توزيعها؟ ما هي الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى تزوير اللوحات؟

يوضح رئيس «شعبة العلاقات العامة» في قوى الأمن الداخلي المقدّم جوزيف مسلّم، الذي ساهم في إعداد قانون السير الجديد، أن الإجراء الأولي المُعتمد في شأن ضبط سيارة تحمل لوحة غير شرعية، يكمن في «تسطير ضبطي مخالفة تزوير وسير بحق الشخص المخالف من جانب المخفر أو الفصيلة الأمنية المعنية، ثم تتم مخابرة النائب العام القضائي المعني، وإذا لم يثبت وجود شبهة إرهابية أو أمنية، يمكن للقاضي الإيعاز بتركه وفق سند إقامة، ويمكن أن يطلب توقيفه».

ويقول مسلّم لـ«السفير» إن عدد اللوحات غير الشرعية «يُقدّر بالآلاف، وتنتشر بنسبة مرتفعة في أطراف المناطق، ولا توجد لدينا إحصاءات دقيقة في شأن عددها»، موضحاً أن «الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى وضع لوحة غير شرعية على السيارة متعددة، لكنها غالباً تُستخدم من جانب أشخاص يقومون بأعمال قتل أو خطف أو سرقة أو سلب، وذلك لإبعاد الشبهة عن هوياتهم الأصلية لفترة معيّنة».

وثمة أسباب، وفق مسلّم، لا يكون مردّها إبعاد الشبهة عن أفعال جرمية فحسب، وإنما تكمن في التهرّب من دفع رسوم «الميكانيك» أو مخالفات السرعة. وثمة أشخاص يقومون بتحويل سياراتهم إلى ما يُعرف بـ«أنقاض»، أي أنها تصبح «ممنوعة من السير». وينبغي في حالات مماثلة، قانونياً، أن يتم تسليم لوحة سيارة «الأنقاض» إلى «مصلحة تسجيل السيارات والآليات» التابعة لوزارة الداخلية، ثم يتم ركن السيارة في مرأب خاص بصاحبها لضمان عدم استخدامها في السير.

استثمار إرهابي
أما في شأن استثمار لوحات السيارات غير الشرعية في أعمال إرهابية، فيقول ضابط أمني معني بمكافحة الإرهاب لـ«السفير» إن «ضبط تصنيع اللوحات المزوّرة ومراقبة السيارات غير الشرعية، من شأنهما أن يمنعا ويعوّقا تنفيذ عمليات إرهابية»، موضحاً أن «الخطورة الأساسية تكمن في اللوحات المزورة التي تتطابق بياناتها مع موديل السيارة الأصلية، إذ يتم وضع اللوحة المزورة على نفس موديل السيارة غير الشرعية».

تكمن «الغرابة» في أن الدولة والأجهزة الأمنية المعنية، لم تعمل على محاولة وضع حد لفلتان «آلاف» اللوحات غير الشرعية، في ظل «الوضع الأمني الخطير» الذي تمر فيه البلاد، من دون وجود أي مبرر «مقنع» ومنطقي. ويُشبّه أحد الضباط المخضرمين أهمية ضبط عشوائية انتشار اللوحات غير الشرعية وبيعها، بـ«أهمية الباسبور (جواز السفر)»، سائلاً: «من هي الجهة المعنية في إصدار جوازات السفر؟ الأمن العام، أي جهاز تابع للدولة. لكن من الجهة الرسمية المعنية في تصنيع لوحات السيارات؟ لا توجد جهة رسمية في الدولة».

يوضح الضابط: «ثمة محال خاصة في مناطق عدة، تبيع لوحات سيارات. أصحاب هذه المحال يملكون تراخيص من وزارة الداخلية. قانونياً، ينبغي على المواطن الحضور إلى المحل بسيارته وإبراز دفترها، ثم يحصل على اللوحة. لكن حالياً، يمكن لأي شخص أن يقصد المحل ويطلب منه رقم اللوحة التي يريدها مقابل مبلغ مالي معيّن. وقانونياً، إذا انكشف أمر صاحب المحل، عبر الختم الخاص به، يتم سحب الرخصة منه، علماً أن الاهتمام الأمني الرسمي نادرٌ جداً في هذا الموضوع، وبذلك ترتفع نسبة التزوير من دون رقيب، خصوصاً في الشمال والبقاع».

ويشير ضباط معنيون إلى أن «مواطنين اتصلوا بقوى الأمن الداخلي، وقالوا إنهم لم يقصدوا هذه المنطقة أو تلك في ذلك اليوم، بينما هناك ضبط سرعة بحقهم»، موضحين أن «المواطن في هذه الحالة يحق له أن يرفع شكوى لدى النيابة العامة ضد مجهول، ويتم تحصيل صورة من الرادار عن نوع السيارة المخالفة وتتم مطابقتها مع السيارة الأصلية. لكن البعض يلجأ إلى دفع المخالفة تجنباً للدخول في متاهة لا يريدها».

وعن الحلول المُقترحة للحد من تزوير اللوحات وضبطها، يقول ضابط أمني معني في شؤون السير لـ«السفير»: «أولاً، يجب حصر تصنيع اللوحات بالدولة وليس بالمحال الخاصة كيفما اتفق. ثانياً، اعتماد نظام اللوحات الذكية (RFID) مثل غالبية الدول وتحديداً التي تعاني من أوضاع أمنية متفلتة. وبذلك يتم كشف السيارات غير الشرعية تلقائياً عبر أجهزة يتم تركيبها على الطرق، علماً أن هذا النظام ليس مكلفاً مالياً. ثالثاً، وهذا الحد الأدنى المطلوب والمسموح حالياً، التشدد في مراقبة أصحاب محال اللوحات، مع العلم أن الحصول على مكبس لصنعها ليس أمراً صعباً».

يوضح أحد المحامين لـ«السفير» أن «أي مواطن يحق له الادعاء لدى النيابة العامة، في حال عرف أن أحداً استخدم رقم لوحة سيارته ورمزها ولم يتم التحقيق معه».

يضيف: «في ما يتعلق بالقصة التي جرت مع المواطن في حارة حريك، ثمة مسؤولية تقع على القوى الأمنية والأجهزة المعنية، إذ كيف استطاع شخص أن يركن سيارته لمدة ساعة في مكان حساس، بالقرب من الجيش، وفي ظل وضع أمني مهزوز؟ أين الإجراءات الأمنية الاستباقية؟».

أما الأسئلة التي ناور والتف ووارب المعنيون في الأمن ولم يعطوا جواباً لها، فهي: «ماذا يحدث لو كان مزوّر اللوحة مواطناً ليس مدعوماً بوساطة أمنية أو سياسية، ويقطن إما في الضاحية أو في الطريق الجديدة وتم توقيفه؟ ماذا يحدث لو كان مواطناً فقيراً؟ ماذا يحدث لو كان المزوّر سورياً؟».
كل أمن وأنتم بخير..

جعفر العطار | السفير

قد يعجبك ايضا