موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“أبو باسل” والمتسوّلون السوريون!

من يتنقل في أي شارع أو محلة في لبنان، يلاحظ تزايد أعداد المتسولين الذين يترامون على الأرصفة وأمام السيّارات، بحثًا عن لقمة عيش ليطعموا أولادهم وأسرهم، التي إن قلّ عدد أعضائها فلا يتدنى عن العشرة.

هذه الظاهرة تنامت مع موجة التهجير السوري التي اجتاحت لبنان منذ بداية الحرب السوريّة، فوجد مئات آلاف السوريين أنفسهم فجأة بلا مأوى وبلا أرزاق، القصف يهدّدهم والجماعات المسلّحة والإرهابيّة تلتفّ حولهم. حملت نساء أولادهن على ظهورهن وهربن، وهكذا فعل العجزة والعوائل، والإرهابيون، والهاربون من الخدمة العسكريّة، والفارّون من السجون، وأيضًا حاملو الشهادات الجامعيّة، وهاجر آخرون طمعًا بإعانات المنظّمات الدوليّة.

هربوا كلّهم من النظام ومن المعارضة ومن الإرهابيين نحو الحدود اللبنانيّة، فشكّلوا نصف أهله. هاجروا إلى لبنان، الضيّق على سكانه، فافترشوا أرصفته، بعدما أصبح هناك نقص في بيوت وغرف الإيجار لاحتوائهم.

تسوّل وعصابات؟
أمام هذا الوضع المأسوي، لم تأتِ توقعاتهم مطابقة للواقع، فلجأ كثيرون إلى الشوارع، وتلقّفتهم عصابات الاتجار بالبشر والتسوّل، فكانوا صيدًا ثمينًا يدرّ الكثير على هؤلاء. وقد تكون قصّة “أبو باسل” مع المتسوّلين السوريين وماسحي الأحذية وبائعي الصّحف واحدة من هذه القصص.

في جولة لـ “النهار” في شارع الحمرا ببيروت، استوقفنا طفل صغير يركض وراء المارّة إلى أن ينظروا إليه، فيرميهم ببسمة ترتسم على وجهه الملطّخ بالأوساخ، وينسحب راكضًا نحو شابّة سوريّة لا يتعدّى عمرها السادسة عشرة، تجلس على الرصيف مع رضيعة في حضنها، وطفلة أخرى بالقرب منها.

إنّها فاطمة، فتاة سوريّة من جسر الشغور في محافظة إدلب، هربت إلى لبنان منذ نحو ستة أشهر، مع أولادها الثلاثة، يعقوب الذي وصفناه بداية وعمره أربع سنوات، وسلوى سنتان، وزينة الرضيعة التي تبلغ من العمر شهرين.

عنف وتهديد بالسلاح
اقتربنا منها، وبدأنا نسألها عن اسمها، وعن أولادها، وعن آثار الضرب الواضحة على وجهها، قبل أن يبدأ يعقوب بالصراخ محدثًا جلبة في الشارع. فجأة اقترب رجل خمسيني، يجلس في مقهى على مقربة منهم، نَهَرَهُ بصوت عالٍ ليسكت، لكنّه بقي يبكي بعدما تشاجر مع شقيقته على كيس الرقائق، فصفعه على وجهه، وشدّه من شعره ليسكت، وعندما تدخّلنا لمنعه من ضرب الصبي، هدّدنا بسلاح على خصره، سائلًا من أنتِ؟ وما علاقتكِ بهم؟ فردّينا على سؤاله بسؤال مماثل، من أنتَ؟ وما علاقتك بهم؟ ولماذا تضربهم؟ من دون أن نلقى أي إجابة، بعدما أدار وجهه لنا مهدّدًا الصبي برميه برصاصة في حال لم يسكت. ثمّ انسحب، قبل أن يأتي رجل يبيع الصّحف بالقرب من المتسوّلة وأولادها، ويسرَّ كلامًا في أذنها.

زوج غائب وفقر مُستغل
بعد رحيل الرجلين، اقتربنا مجدّدًا من فاطمة، لنسألها عن الرجل الذي ضرب ابنها أمامها من دون معارضة منها، وعمّا قاله لها الآخر، فردّت: “كان يسألني إن كنت مسجّلة في المفوضيّة، وأنّ عليّ تسجيل اسمي لأحصل على بطاقة تخوّلني سحب المال لدفع إيجار المنزل الذي أسكنه مع العائلة”. قالت هذا الكلام بعدما ظنّت، كما الكلّ، أننا تابعون لإحدى المنظّمات التي تعنى بشؤون اللاجئين السورريين.

ومع إصرارنا على معرفة من هو الشخص الذي ضرب طفلها يعقوب وهدّدنا بالسلاح، قالت: “لا أعرفه وهو لا يساعدنا بشيء، لديه مطعم هنا، يجلس فيه طوال النهار، يصرخ بالأولاد كي لا يبكوا فقط”. وعن سبب معرفته بأسمائهم، ردّت: “هو يعرفنا لأننا نبقى هنا، وهو يمزح مع الأولاد دائمًا، ويلعب معهم، كي لا يصرخوا ويزعجوا المارّة”.

أمّا عن آثار الضرب الواضحة على وجهها، قالت: “ضربني زوجي لأنني اخطأت بحقّه، قلت له كلامًا معيبًا وشتمته، فضربني. أمور تحصل بين كلّ امرأة وزوجها”. وعن مكان وجود زوجها، ردّت: “لقد سافر منذ أيّام إلى سوريا لأنّه لم يعثر على عمل هنا، هو يعمل في البناء، وذهب إلى سوريا بحثًا عن عمل”. ومع ازدياد أسئلتنا رفضت فاطمة الإجابة عن المزيد، ودلّتنا إلى شقيقتها التي تجلس على الرصيف المقابل.

تناقض في حديث الشقيقتين
توجّهنا إلى الرصيف المقابل لنسأل عن شقيقة فاطمة، فرأينا فتاة تدعى سناء عمرها 19 سنة، تجلس مع أولادها الثلاثة، وتتسوّل وتستعطف المارّة للحصول على المال، فسردت لنا قصّة تتناقض في جزئيات منها مع قصّة فاطمة، وقالت: “أنا سناء، شقيقة فاطمة، عمري 19 سنة، ولدي ثلاثة أولاد، هربنا من القصف إلى لبنان مع أولادنا، وبقي أزواجنا هناك”.

تعيش سناء وفاطمة في بيت مستأجر في الأوزاعي مع شقيقتيْ زوجيهما وأهلهما، فهما تزوّجتا الشقيقين في هذه العائلة. بدأنا بطرح الأسئلة عليها عن مكان تواجد زوجيهما فردّت: “لم يأتيا معنا، فهما احتياط وطُلبا إلى الخدمة العسكريّة، قدمنا لوحدنا إلى لبنان، افترشنا الرصيف لفترة قبل أن نعثر على بيت نسكن فيه”.

وعن هوية الشخص الذي ضرب فاطمة، فبقيت آثار الضرب واضحة على وجهها، قالت: “لقد وقعت”، وإن كان زوجها هو من ضربها ردّت: “لا هو يخدم في سوريا، هو عسكري لا يمكنه المجيء إلى لبنان، لقد وقعت”.

من هو أبو باسل؟
بعد ذلك، سألناها عن الرجل الذي يجلس على مقربة من شقيقتها وضرب طفلها، وأوهمناها أن فاطمة أخبرتنا أنه يساعدها دائمًا، فردّت: “إنه أبو باسل، هو رجل أمن ومسؤول عن المنطقة، يساعد كلّ النساء المتسوّلات في المنطقة وماسحي الأحذية. يساعدنا ويخبرنا كيف ومتى ننتقل من الشارع إلى آخر، عندما تأتيه معلومات بأن الشرطة قادمة، يعاملنا باحترام، ويحذّرنا كي لا ينزعج أصحاب المحلّات ويطلبون لنا الشرطة والتحريين. هو ينصحنا لأن لديه معارف”.

وعمّا إذا كان يتلقى أموالًا منهن مقابل المساعدة التي يقدّمها، تردّ: “كلا، لا علاقة له بنا، هو رجل جيّد، ويساعدنا فقط”. وعن سبب ضربه للأولاد، تردّ: “إنه يصرخ بهم ويمازحهم كي لا ينزعج منهم المارّة وأصحاب المتاجر من جهة، وكي لا يعذبون أمهاتهم من جهة أخرى. يضربهم ممازحًا وليس لأن لديه مآخذ على الأولاد، ويهدّدهم بالمسدس ليسكتوا فقط”.

قصّة تحمل غموضًا، وتحمل تناقضات كثيرة خصوصًا بين ما قالته فاطمة وما قالته شقيقتها سناء، وبين تصرّفات الرجل الغامض، أبو باسل، الذي حذّرنا ماسحي الأحذية وبائعي الصّحف بأن لا نتكلم معه أو نجابهه لأنه إنسان خطير، من دون أن يكشفوا عن هويته. فهل نكون أمام عصابة تسوّل تستغل عوز الفقراء وتستعطف رحمة المارّة؟

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا