موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

العم “أبو حسن”… قصة مؤثرة جداً

على كرسي وسط باحة دار العجزة الإسلامية يجلس يومياً العم “أبو حسن”، رفيقه الكتاب بدلاً من عائلة دفع فاتورة تأسيسها دمعاً وعرقاً من مهنته النبيلة كمدرس رياضيات في مدرسة سيدة النجاة والتي تنقل بين فروعها كل ثلاث سنوات.

ككل ساكني هذه الدار، لدى “أبو حسن” قصته العائلية ويتوجها بوح بأن “الخطأ القاتل قد يكون تسجيل منزلي باسم زوجتي فبات عليّ المغادرة مع خلافنا”. ولم يرحم “الفالج” النصفي الرجل الذي دخل الدار عاجزاً لا مسناً.

الصدفة شاءت أن تزور “النهار” أبو حسن في يوم عيد ميلاده السابع والستين، لكن لا شيء يوحي بفرحة في عيني رجل منحه القدر سبع بنات أبعدته عنهم مرارة الحياة. يقول بكبرياء لم يحطمه عجزه : “هذه السنة السادسة عشرة لي في هذا المستشفى، أتيْت إلى هنا بإرادتي بعد أن غُدر بي. بيدي وقعت على التنازل عن ملكية منزلي وبيدي حملت حقيبة خيبتي وخرجت منه”.

كرامته فوق الجميع
كرامة “أبو حسن” دفعته إلى رفض عرض صهره استئجار منزل له وجلب عاملة تساعده كونه لا يقوى على تدبر أموره وحده، فهو بحاجة إلى من يتكئ عليه في القيام بأبسط أمور الحياة. العكاز الذي يمسك به خشبي وليس سحرياً، وبنبرة فيها حنين وأسى، قال: “لدي سبعة أصهر، جميعهم ينعمون بمراكز مهمة، أحدهم مهندس كيمياء والآخر مهندس كمبيوتر، والثالث مدير شركة في الخبر الخ، لكن لا أقبل مساعدة أحد …”.

ربما ما يصبّر “أبو حسن” أن خمساً من بناته خارج لبنان، اثنتان منهن في قطر، واثنتان في السعودية، وواحدة في الولايات المتحدة، أما السادسة ففي لبنان وبالتحديد في بعلبك مسقط رأسه، فبُعد المسافة يسمح بتبرير عدد الزيارات القليل التي ينتظرها الرجل بفارغ الصبر.

ويلفت ساكن الدار إلى أن “لديّ 18 حفيداً، أصغرهم بعد بضعة أيام يدخل شهره الخامس”، نعم يعلم ميلاد حفيده باليوم، وينتظر أن يراه كل ثانية، لحظات مرّة تمر على رجل كل حلمه أن يكون محاطاً بالدفىء.

روتين قاتل
قد يكون الروتين قاتلاً لأشخاص لديهم مطلق الحرية في الذهاب أينما أرادوا والقيام بما شاؤوا، فكيف بـ”أبو حسن” الذي يصحو كل يوم باكرأ يصلي الفجر، وينتظر مرور الوقت ليقصد غرفة العلاج ومن بعدها يحمل صديقه “الكتاب”، ينزل إلى باحة المستشفى، يقرأ حتى يحين موعد الغداء، ليعود بعدها إلى الباحة منتظراً أن يحل المساء وتبدأ نشرة أخبار الثامنة كي يتابعها ليخلد بعدها للنوم.

كل شيء يحتمل النقد
“نقد الحقيقة” هو صديق “أبو حسن” هذه الأيام، وكما قال: “كل شيء يحتمل النقد، الحقيقة والكذب والرياء، هذا الكتاب قيّم جداً لذا أقرأه بتأنٍ، وهو يحتاج إلى ما لا يقل عن أسبوعين لأنتهي منه فأبدأ بمطالعة غيره”. ومن أين يحصل على الكتب؟ “لدي مكتبة في المنزل، كل فترة تجلب لي ابنتي عدداً من الكتب منها”، ويستطرد بفخر”لا تقتصر قراءتي على الكتب العربية فأنا أجيد قراءة الفرنسية والانكليزية والايطالية كذلك”.

ليس كل مسن عجوزاً
في المكان عينه، التقينا بمدير مستشفى دار العجزة المهندس عزام حوري الذي ميّز في حديث مع “النهار” بين العجوز الذي لديه مشكلات صحية وغير المستقل إذ لا يستطيع ادارة شؤونه بنفسه، وكبير السن المستقل. ولفت إلى أن “معايير الدخول لدور العجزة صحية، أما لدور المسنين فغير صحي وقد ترتبط بالوحدة أو بمسائل عائلية “. وأضاف: “نسبة كبار السن في لبنان نحو 10 في المئة، العدد الأكبر منهم بطبيعة الحال في منازلهم، ما يدل على أن العقلية الشرقية هي السائدة وأن العائلة هي الملاذ الأول والأخير لهؤلاء الناس، فمن كل عشرة في المئة من المسنين هناك واحد منهم في دار عجزة أو مسنين”.

أماكن للنفي!
وعما إذا كانت هذه المؤسسات تلبّي حياة الناس أم إنها أماكن للنفي، يجيب: “هذا يرجع إلى العقلية السائدة في المجتمع ونظرته الى كبير السن ومؤسسات الرعاية، فهناك، مثلاً، عبارة تستعمل “كبّو بالملجأ”، ومثل هكذا ألفاظ تسيء إلى قائلها والشخص الذي يُحكى عنه وإلى المؤسسة بذاتها، ففي الدار اليوم 600 شخص يخدمهم 350 موظفاً وممرضاً و30 طبيباً ومجموعة من المراكز التخصصية والعلاجية وعيادات مختلفة “.

تقبل العاجز للدار
وهل يرتاح العجوز داخل دور العجزة؟، أجاب: “هذا يعود إلى طبيعة الشخص وكيفية تفاعله مع بيئته. فهناك أشخاص مهما يُقدم لهم لا يعجبهم، في المقابل هناك أشخاص يقنعون بالقليل، كما هناك معايير اخرى تتعلق بالمؤسسة وفي ما إذا كانت مهيئة ببيئة مناسبة”.

كما ان الوضع النفسي يلعب دوراً كبيراً، وفق حوري، فـ”بعد أن يكون الانسان قد مرّ بتجارب وانشأ عائلة يجد نفسه في غفلة من الزمن قد أصبح شخصاً غير فاعل ومنتج، ما يعرضه إلى مشكلات نفسية لا سيما منها الاكتئاب، وذلك نتيجة التصرفات الخاطئة المحيطة به”. وأضاف: “يتوقف مدى تقبل العاجز للدار على زيارة أهله وسؤالهم عنه من عدمه”.

تحسن في النسبة
بحسب دراسات المساعدات الاجتماعية في دار العجزة تتراوح نسبة زيارات الاهل بين 1/6 و 1/7 و 1/8. وفي حال لم تزر العائلة العجوز فإنه يتم التواصل معه عبر الهاتف وصولاً إلى قيام المساعدات الاجتماعيات بزيارتهم في المنزل لمعرفة المعوقات لعدم زيارتهم له. ويخصص المركز رحلات أسبوعية لكسر الروتين.

قانون لمحاسبة الأهل
ويلفت حوري إلى العمل على مشروع قانون محاسبة الأهل، “شخص مرمي في الشارع يتم ادخاله من الشرطة بناء على اتصال مع النائب العام إلى الدار، هكذا قرارت لا يجب أن تؤخذ بل يجب معرفة من وضعه في الشارع، فهناك عائلة يجب الركون اليها”.

ازدواجية
الاختصاصي في الأمراض النفسية والعصبية الدكتور ماجد كنج رأى أن “مجتمعنا لديه ازدواجية فيما يتعلق بالقضايا النفسية، فهو أكثر من يتكلم عنها وأقل من يهتم بها وبعلاجها والوقاية منها وفهمها وتحضير البنية التحتية الاجتماعية والطبية لها”. وأضاف ان “كل انسان يصل إلى سن معيّنة يكون في حالة تختلف عن الآخرين، ولا نستطيع أن نتكلم عن مشاكل كبار السن والعجزة كرزمة واحدة، فلكل حالة خصوصيتها، الا ان الجامع بينها هو الحاجة الى الحنان والاحتضان والاهتمام”.

(النهار)

قد يعجبك ايضا