موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

انطون سعادة… ألم يقل لنا!

وسام عبدالله – الحدث نيوز

تقف سوريا الطبيعية على أبواب المئة عام من اتفاقية التقسيم سايكس- بيكو، لتدخل في مخاض حدوث اتفاقية تقسيم وتقاسم جديدة على هذه الأرض، فبين الثابت والمتحول، بين التاريخ والجغرافية، يدخل عامل الزمن الذي يشكل الحركة المستمرة في عملية التغيير من شكل إلى آخر نتيجة تفاعل العوامل الداخلية مع التأثيرات الخارجية.

تمر بلاد الهلال السوري الخصيب بالدماء، بمرحلة “الطفرة التاريخية”، وهي اللحظة التاريخية التي يبدأ فيها المجتمع بالتوجه من حالة إلى أخرى، لا يمكن تحديد توقيت بدايتها ولحظة انتهائها مسبقاً، فالزمن عبورٌ مستمر من الماضي إلى الحاضر، فهو جزء من الحركة التاريخية التي يمر بها المجتمع، ليصل إلى مرحلة معينة، إما أن تتحول إلى وعي مجتمعي، ومن ثم إلى نهضة عامة، أو أن تذهب إلى الفوضى والعشوائية التي تنتج تقسيماً للبلاد وحروباً أهلية.

طرحت الازمات والحروب، جدلاً بين الثابت والمتغير في المجتمع بمختلف أبعاده الوجودية. هذه الجدلية الدائمة في مسيرة الشعوب، التي تطرق أبواب الهوية والدين والانسان والفكر في تحدّ واختبار للقيم المجتمعية في مدى إمكانية تطورها على نحو إيجابي، أو تدهورها بطريقة سلبية. وهو الآن يطرق أبواب فكر “انطون سعادة” مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. إنّ هذا الفكر يشكّل المنطلق والمرتكز، وليس الحتمي والنهائي، في التعامل مع الاحداث الوجودية، وهذا المرتكز ليس تجميعاً لأقوال وأفكار “سعادة” والبحث عن حادثة لربطها معها، فنصبح كمن يبحث في كتابٍ مقدس عن آيات ليبرر فعله وأحقيته في دخول “الجنة”، إنما هو عبارة عن نهج في التفكير في التعامل مع الواقع بعلمية وموضوعية على أسس واضحة.

ما الذي جلب على شعبي هذا الويل، نرددها دون أن نقرأ انطون سعادة الذي كتبها في بدايات عمله النهضوي، فجميعنا نمر بأزمة نطرح فيها هذا التساؤل، لنبني عليه إجابتنا بسؤال آخر “من نحن؟”، فهذه “نحن” كانت في الاغاني الوطنية أكثر ما تكون في القوانين والثقافة والوجدان الاجتماعي، وهذه “نحن” الاعلام يتحكم بها كدمى المسرح، وهذه “نحن” كدودة القز تحيك خيوطنا الوهمية ظنًّا منا أنها جدرانٌ صامدة.

ألم يقل لنا في المبدأ الاصلاحي الخامس أنّ الجيش هو الاساس في معارك تطاحن الامم والقوميات على مصالحها ومصالحنا في الوجود لا يحميها إلّا القوة بمظهرها المادي والعقلي، فخيوط هذا المبدأ تمتد من الجيش العراقي والسوري واللبناني التي تشكل الهدف الاول والاساسي في ضربها من قبل الدول لمنع تكاملها في العمل العسكري والميداني، فما تعيشه أراضينا من الموصل إلى الرقة وصولًا إلى طرابلس ألا يفرض علينا أن يصبح “اللباس العسكري” متكاملًا في عمله وتوجهه وقتاله؟

ألم يقل لنا أنّ هناك فرقٌ شاسعٌ بين العروبة الحقيقية والعروبة الوهمية؟!، فمن تصدع مفهوم القومية العربية، إلى تلاشي دور الجامعة العربية، إلى وضوح التنوع في المجتمعات العربية، إلى توجه حقد الصحراء نحونا وظهور أولاده بيننا، كلها تفرض علينا إعادة النظر في عروبتنا التي لم تعد فقد وهمية بل هي واقعية لمرحلة أنها أصبحت متفجرة وقاتلة من الداخل.

في زمن الخلافة والتكفير والتعصب المذهبي، ألم يقل لنا إنّ اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض، فطرح فصل الدين عن الدولة وإزالة الحواجز بين مختلف المذاهب والطوائف، فكان ردنا بجدار فصلٍ عنصري بنيناه في عقلنا ومجتمعاتنا قبل جدار الصهاينة في فلسطين. فمعظم المؤسسات الدينية وملحقاتها حتى من حركات ادعت أنها يسارية ومدنية وعلمانية، لكنها أصبحت بطقوسها ورمزها دينية وإن ادعت عكس ذلك، جميعها منعت قيام دولة قومية ومؤسسات فاعلة. فالصراع هو مع هذه المؤسسات النائبة عن الله وليس صراع مع الماورائيات والجنة والخلود.

ألم يقل لنا إنّ تركيا و”إسرائيل” شرّهما دائم الوجود، حين كتب في جريدة النهضة سنة 1937 أنهما شرٌ واحد، فالمطامع في شمال بلادنا تبقى في وجدان العثمانيين الجدد، فعينهم على حلب والموصل، وحارس النفط والغاز في فلسطين المحتلة لا يفهم إلا لغة الحديد بالحديد والنار بالنار.
ألم يقل لنا ونبّه إلى أنّ النفط هو سلاح استراتيجي مهم، فقال “هذا السلاح الثمين لم نستعمله، وأسلحة غيره كثيرة تبقى بدون استعمال!! وننتظر، مع كل ذلك، أن نربح الجولات المقبلة في حرب الموت والحياة مع الغزاة الصهيونيين”. فالأسلحة كثيرة من الغاز المنتشر على طول سواحل المتوسط الشرقية إلى الحرب على الماء، والصراع على الموقع من طريق الحرير إلى طريق الانابيب من نفط وغاز.

لقد قال لنا الكثير، ولم نسمع أو لا نريد أن نسمع، ولكن في الأمة من يقاتل ويناضل بسيف انطون سعادة دون أن ينتمي لفكره، فالقومية الاجتماعية ليست ايديولوجيا وإنما هي دورة الحياة الواحدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليكن هذا الفكر هو مساحة لقاء وتشارك وحوار ومقاومة، فهو ليس ملكًا للقوميين فقط، وإلا لكتب إن “سورية للقوميين والقوميون أمة تامة!”، إنّ الأمة ملك الجميع فإما أن نحافظ عليها أو ما تبقى منها لنا جميعًا، او ستذهب شبرًا بعد شبرٍ من أراضيها وعقولنا، نحو جميع من في الارض إلا نحن.

قد يعجبك ايضا