موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

موت سيلين بين البازار الاعلامي والصمت الرسمي

فاطمة عبدالله – النهار

سيُكتَب المزيد عن موت الصغيرة سيلين راكان، طالما أنّ للجميع يداً في القضية. يسهل على المنابر التحوُّل وجهات نظر متناقضة، وانقسامات تضلل الجوهر. تولّى الإعلام الملف، مُستعيراً من القضاء سلطته، ومن القاضي أحكاماً يُقتَرض أنها مبنية على أدلّة. هو الغموض ثانية، وجنوح النتيجة عن السبب. لا دهشة من عشوائية الأحكام، فالجنون هدم العقل. قدّم أب الضحية للرأي العام نموذجاً عن ثرثرةٍ زائفة جرّاء التسرّع في استباق التحقيق. كاد أن يجزم بأنّ ابنته قضت إثر طُعم فاسد، الى أن ظهرت، ذات ليلة، يدٌ لعاملة المنزل الأثيوبية بإطفاء عمر ابنة الأربع سنوات.

الأب في جرِّه الآخرين الى طلاقة اللسان
حتى الأمس، ساد ظنٌ بأنّ ياسر راكان، والد سيلين، قد ينطق بفرضية جديدة تفسّر مقتل طفلته. تأتيك منابر الجدل ليلة الإثنين: “1455” مع طوني خليفة (“أم تي في”)، وأخرى وكَّلت نفسها أيضاً “كشف الحقيقة”. “السكوب” في الجيب، وكاسبٌ مَن يستثمر القضية. هي لعبة القدر، أو اليد الخفية وراء تقلُّب مزاجه. صودف أنّ الأب ناشطٌ فايسبوكياً، والمنزل مُجهَّزٌ بكاميرات. ماذا كان ليحدث لولا المصادفة؟ لو مال الأب الى التألُّم بصمت، ولا دليل أولياً الى الجريمة؟ أكانت المنابر كفَّت التكهّن، أم طَمَسَ الفضوليون حاجتهم الى استنباط فرضية؟ يُسيِّر الأب بكونه ضليعاً في التحليلات، جزءاً من الرأي العام نحو إصدار الحُكم. اكتفى خليفة أمس، بنقل دعوةٍ عن لسانه مفادها أنّ انتظار التحقيق واجب، ولا بدّ من حدٍّ للسفسطة. صفحة راكان الفايسبوكية في أتمّ الجهوز لِما يستجدّ. هو اليوم يتهم طبيباً مجهولاً بدسّ طعمٍ فاسد في جسد الصغيرة، وفي اليوم التالي يأتي الى الجمهور المتكاتف برواية تشير الى جُرم الأثيوبية. أما في اليوم الثالث، فيدعو الى انتظار التحقيق. بفضل غريزة الأب حيال خسارة ابنته، يغدو الجميع قاضياً. لمِ القانون، ما دام الأب حسم بأنّ عاملة المنزل مجرمة؟ ذلك احتمالٌ، لكن التحقيقات مستمرة. وقوعه في التناقض وتعامله مع القضية كمتلقٍ، لا طرف، سرَّبا الى العامة شكّاً حياله. الأب طليق اللسان، وإن قرر أخيراً التنصّل من البازار. دعوته الى انتظار التحقيق، أشبه بحاجةٍ الى تدارك خطأ جرِّ الآخرين الى أن يتحوَّلوا قضاة. حتى انّه حين دعا للتروّي وترقّب القضاء، لم يلقَ صدى مطلوباً. استمرّ الرأي العام يُحلِّل ويُفنِّد. واستمرّت البرامج تلوك القضية. الناشطون الى مزيد من النشاط والفاعلية.

غموض الموت ووضوح الأصوات المعزّية
يزداد موت سيلين التباساً، كأنّ الحال تكثيف اللغز. للإعلام التخلّي عن دور المُتفرِّج، وألا يقرأ وفاة طفلةٍ بميكانيكية فظّة. وعليه أيضاً تحمّل المسؤولية. هو سلطة ضابطة (أو يُفترض)، لا مجوناً في كلّ اتجاه. تكتنف الموت ضبابية تُقاقِم قسوته. كلّ سؤالٍ يولِّد أسئلة. ينقسم المشهد بين موتٍ تحييه التجاذبات، وعزاء يفتعله واقعٌ في غاية الفوضى. التحقيق عاملٌ ثانوي في المشهدية المكوَّنة من عناصر تُردِّد الجُمل وتنتشي بإطلاق الإدانة. يظنّونه تفوّقاً الجزم، بناء على اعتراف قد يكون مُدبَّراً، بأنّ عاملة المنزل قاتلة (وقد يكون صائباً). لا ضير من التعاطف، فكيف في حال الطفولة؟ يستحق قاتل الأحلام سوء العاقبة، أكان من الأهل تجاه أبنائهم أو من عاملات المنازل تجاه أولاد يربّونهم، أو من الحكّام والحروب والأسلحة. أما أن يحذِّر خليفة مثلاً بأنّ الأطفال في خطر، كون عاملة أجنبية تسكن وإياهم تحت سقف واحد، فتلك مبالغة، كأنه فوَّض نفسه تبنّي حكمٍ غير قابل للاستئناف مفاده أنّ “الخادمة” بالضرورة مجرمة.

تغييب سيلين النائمة كملاك قيل إنه اختنق
حتى أنّ القيّمين على القضاء لم يزوّدوا الرأي العام بمعطى من شأنه ضبط التراشق. التزموا التراخي، فلم يصدر رسمياً إثباتٌ باعتراف عاملة المنزل بقتل الصغيرة. كأنّه يروق القوى الأمنية غير رواية تُفسِّر الجريمة. أمكنها، لو أرادت، الخروج ببيان حاسم يحول دون انزلاق الوضع من سيئ الى أسوأ. تركت الفصل لبوستات “فايسبوك” وتعليقات عائلة الضحية والمقربين منها. نسمع أنّ عاملة المنزل قاتلة، وفي المقلب الآخر أنها ضحية مافيات الأطباء والتستّر على جرائمهم. أين سيلين وسط المعمعة؟ كانت ملاكاً حيّاً، واليوم ملاكٌ مُغطَّى بالتراب، نائمٌ كقيلولة بعد الظهر، من غير لعبة. لم تعد في ذاتها مثار جدل. كيفية موتها تغلّبت على الموت عينه، ثم طغت الفرضيات على الفجيعة. لو أنّ تسالي “فايسبوك” أو منابر المؤسسات الإعلامية تُخرِّج قضاة، لما دعت الحاجة الى التخصّص في المهنة. كان يكفي أن تُتقَن أساليب الجذب، مُرفقةً بأدوات الدعاية، حتى لا نواجه الضجر. غداً، تُنسَى سيلين لمصلحة مأساة أخرى سرعان ما تصبح قضية.

قد يعجبك ايضا