موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

«٣١٣» الموصل «٣١٣» بيروت: روايات عن ظهور المخلّص

في حديث مع زملائه سبق استشهاده في إحدى المعارك، ارتفع
منسوب الغصة في صوت «أبو علي الحرّ»، حين ذكر أسماء بعض من استشهدوا. طلب منهم باستحياء أن يضعوه على قائمة أسمائهم. يختم المقطع المعروض على «يوتيوب»، بعد استشهاده، قائلاً بمنسوبٍ أعلى من الحزن «دخيلك يا صاحب الزمان، الوضع معش يتحمل» (الصورة مأخوذة من مهرجان لكشاف الإمام المهدي، وليست مرتبطة بمسألة الرقم 313)

محمد محسن – الأخبار

«صاحب الزمان» في الأدبيّات الشيعية، هو الإمام المهدي، آخر الأئمة، المتخذ صفة المخلص، وناشر العدل في الأرض في آخر الزمان، وفقاً للمعتقد الشيعي. لم يتطرق «أبو علي الحرّ» (راجع كادر الصورة) في كلامه للرقم 313، وهو بحسب روايات دينية، عدد قادة جيش المهدي حين ظهوره. تولّى هذا الأمر ناشطون على الفايسبوك، رسموا الرقم «313» وشماً على معاصمهم وعرضوه. لولا أنه استشهد، لما كان حديث أبو علي الحر مع من يعتقده إمام زمانه، سينشر.

مع توسع رقعة الحرب في سوريا، ومشاركة حزب الله فيها علنياً، عاد الحديث في البيئة الشيعية عن ظهور الإمام المهدي إلى الواجهة. فعلاً إلى الواجهة وليس مجازاً فحسب. بات رقم 313 اسماً تجارياً لأكثر من متجرٍ أو حملةٍ حج وزيارة. لا يدعو هذا الأمر إلى الاستغراب. فمع كل حدثٍ شديد التأثير في البيئة الاجتماعية سلباً أو إيجاباً، تدخل المسائل الاعتقادية في دهاليز التجارة. ربما لا يكون المقصد متاجرةً بدلالات الاسم أو الرقم، بل قد يكون «تبركاً» كما يقول صاحب أحد متاجر الهواتف. وقد يكون «تاتوو» 313 فوق المعصم أو قرب الصدر، موضةً ونشراً للقناعات، كما تقول إحدى الفتيات التي رسمت 313 قرب صدرها. تريد أن تنشر معتقداتها بهذه الطريقة، لكنها تطلب عدم ذكر اسمها في هذه السطور.

تسييل الفكرة المهدوية

منذ أكثر من عام أنشأ جاد بيضون وعدد من أصدقائه جمعية تقدم مساعدات صحية واجتماعية، اسمها «بنين 313». بنين، نسبة لأم البنين التي فقدت 3 من أولادها في معركة كربلاء وبقيت تسأل عن حال الحسين، «وهذا رمز ناصع للوفاء»، يقول جاد. أما بالنسبة لـ 313 فهو «العدل، الذي سينشره قادة جيش الإمام المهدي». عمل جاد في ما يسميه «تعميم ثقافة التمهيد للظهور» منذ أكثر من ست سنوات. كان يدور مع عدد منهم على بيوت في أحياء بيروتية، للترويج «للأخلاق والسلوك الحسن، وهي من أهم عناصر الشخصية التي تنتظر ظهور الإمام». يبدي امتعاضه من انتشار رقم 313 عشوائيّاً… «كل الخوف أن يتحوّل إلى موضةٍ كالحجاب غير الشرعي، المزنطر». هذا الامتعاض يتعزز عند كثيرين من رافضي ظاهرة 313 بشكلها الاستعراضي.
ولا يمكن فصل معارك القصير والقلمون والغوطة، عن إعادة تسييل الفكرة المهدوية في الشارع الشيعي. المجال هنا ليس لمقارنةٍ بما تشير إليه الروايات من علامات تسبق الظهور، يتشابه بعضها مع مجريات المعارك في سوريا. تشابه ربما يكون من باب الصدفة «الجيوبوليتيكية»، وربما يكون ترجمةً لما نقلته أحاديث أئمة الشيعة. وفي الواقع، لم يواجه حزب الله ظاهرة انتشار الرقم 313 في بيئته الحاضنة، لكنه أيضاً لم يشجع عليها. كأي ظاهرة على ضفافه، يتعامل معها بحذر. تشرّح أوساط علمائية فاعلة في الحزب ظاهرة 313 انطلاقاً من شقين: الأول قوامه «أصحاب النوايا السليمة»، والثاني يعكس توجساً، من وجود خلفية استخبارية للأمر، بهدف تهيئة البيئة النفسية لقبول ادعاءات لها علاقة بالمهدوية، ربطاً بمضمون الأحاديث حول انتشار ادعاء المهدوية قبل ظهور المخلص، لكن في المحصلة، تبدي الأوساط ارتياحها لـ«عمق الثقافة المهدوية وأثرها في الصراع الدائر».

بمفردات الحزب يظهر أثر التمهيد من خلال «طاعة الولي». بلغة تفصيلية، يسمي حزب الله إحدى دوراته الثقافية المتقدمة بالـ«ممهدون». من أهم الاختبارات التي يجب أن يجتازها هؤلاء إطاعة الولي، لأن إطاعته تسهل إطاعة الإمام المعصوم، وذلك لتناسب حجم المسؤوليات مع حجم اليقين بعدالة الإمام.

الحزب في سوريا

انتشار رقم 313 لم يصل إلى حد الظاهرة المستحكمة ثقافياً، كما أنه لا يملك غطاءً تنظيرياً. يبدو هذا واضحاً. الحرب السورية مجدداً. هنا، تعرى أوساط علمائية في الحزب أن قناعة القاعدة الشعبية بجدوى الحرب في سوريا «هي أبرز نموذج ضد من يروج لـ 313 على أنها مثال للانتظار السلبي، الذي يؤمن بترك انتشار الفساد والظلم لتعجيل الظهور»، إذ إنه لو كان الأمر كذلك، لكان القعود عن المعركة في سوريا أولى، وذلك لتمكين «السفياني» من احتلال الكور الخمس (دمشق، حمص، حلب، فلسطين، الأردن) وهذا من علامات الظهور بحسب الأحاديث (اذا احتل السفياني الكور الخمس، فانتظروا عند ذلك الفرج..). هنا يبرز صراع خفي بين الانتظار السلبي والايجابي، ويتردد في أكثر من نقاش، ربطاً بأحداث الموصل التي سقطت بيد «داعش»، لاسباب عدة، منها انتشار ثقافة الانتظار السلبي في البيئة الشيعية العراقية، وبعكس ذلك، تحرر جنوب لبنان وجرت حماية دمشق وغيرها، نتيجة تمدد ثقافة التمهيد وتأمين سبل القوة في أي عصر قد يظهر فيه المهدي.
في الواقع، لو كان تيار الانتظار السلبي الاستعراضي لـ 313 نافذاً، لكان قد أثر في منع مقاتلي الحزب عن التوجه إلى سوريا. عموماً، يعمل مقاتلو الحزب وفقاً لنظرية التكليف الشرعي بعيداً عن النقاش في النتائج، لكن هذه الثقافة بحسب الأوساط الدينية «كفيلة بتغيير المقادير»، كيف ذلك؟ وفقاً لنظرية «جريان البداء»؟ ما هي؟ منع تقدير أن يجري بتفعيل تقدير آخر، ودليل ذلك آية قرآنية (يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب). وتالياً، يرى مقاتلو الحزب أنهم قادرون على منع «السفياني» من الخروج قوياً، عبر وجودهم في هذه المناطق، لتكون الأحاديث عن ذلك انذاراً وعلامات يمكن أن يغيرها «جريان البداء». هذا جزء من نقاش ديني دائر اليوم في «بيئة حزب الله».

هل نحن في عصر الظهور؟

ومع مرور الوقت، قد تنحسر ظاهرة 313 لتحل مكانها ظاهرة أخرى مستوحاة من باطن المعتقدات، وقد تطول بفعل إطالة أمد الحرب، لكنّ خيطاً رفيعاً، يجمع من استدعت هذه الظاهرة نقاشهم، على تعدد آرائهم، وهو «الشغف بفكرة ظهور المهدي». الفرق شاسع في التعبير بين من يريد تعجيل الظهور لإنهاء «داعش»، ومقتنعٍ بأنه «يتيم وإمام زمانه محجوب عنه». في الروايات أيضاً، ثمة علامات يُقال إنها تحققت، كتكاثر تشبه الرجال بالنساء وبالعكس. وثمة علامات كبيرة بحسب الأحاديث لم تحدث بعد كالخسف بجيش السفياني وقتل النفس الزكية في الكعبة. تطور المفاهيم المهدوية، لم يوصل أحد الباحثين في المسألة المهدوية إلى اليقين بأننا في «عصر الظهور»، لكنه أردف مستخدماً التحليل «لا نواجه انتشار 313 لأننا لسنا ضد استبشار الناس بالفرج، والاستبشار ليس اعتقاداً قطعياً، وهنا دور العلامات في منع اليأس. الظروف التي نعيشها مؤهلة لترسم مشهد الصراع النهائي قبل الظهور». الأوضح من ذلك كله، وفقاً لمضمون الروايات الدينية الصحيحة لا الشائعة، أن جزءاً من «٣١٣ الحقيقيين»، لا يكونون يعرفون أنفسهم أنهم من هذه المجموعة، إلا ساعة اجتماعهم.

قد يعجبك ايضا