موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

من يصدق العرّافة ليلى عبد اللطيف؟

محمد بركات – العربي الجديد

ليس جديداً القول إنّ منسوب الخرافة يرتفع في المجتمعات اليائسة. فقدان الأمل في الواقع يدفع الناس إلى التعلّق بالغيب. ليس الغيب الإلهي بل، ومعظم الأحيان، الغيب اللاديني. والغريب أنّه حيث تزدهر الحركات الدينية، تزدهر الشعوذة.

في لبنان، الغارق حتّى أذنيه في الحروب العسكرية، من الجنوب إلى طرابلس وعرسال وجرود القلمون، والغارق حتّى ما فوق رأسه في الخلافات السياسية العقيمة وفي الصراعات المذهبية المديدة، والذي تسيل دماء الكراهية الدينية فوق ركاب أهله، هذا اللبنان لا تزال تزدهر في وسائل إعلامه برامج “النبوءات”.

مثلاً شاشة مثل LBCI لا تخجل من تخصيص حلقة شهرية لتخرج خلالها علينا ليلى عبد اللطيف وتدّعي التنبّؤ بالمستقبل. والتنبّؤ فعل مستحيل علمياً، ومردود دينياً. إذ إنّ امتلاك القوى الخارقة كان حكراً على الأنبياء والرسل. وكلّ من يدّعي امتلاك قدرة على كشف ستر الغيب يكون “كافراً” باللغة الدينية، و”دجّالاً” باللغة الاجتماعية، و”نصّاباً” باللغة القانونية. وعليه يجب محاسبته ووقفه عند حدّه.

إلا في لبنان، فإنّه بعد ظاهرة ميشال حايك، وبعد ظاهرة مايك فغالي، اشتهرت في السنوات الأخيرة ليلى عبد اللطيف، على أنّها تتنبّأ بالمستقبل وأحداثه، في لبنان والدول العربية.
قبل ساعات خرجت علينا ليلى عبد اللطيف لتعلن نبوءاتها الجديدة.

والذي يدقّق في “توقّعاتها” سيصيبه الغثيان، مصحوباً بنوبات استغراب وضحك. فهي بدأت بالحديث عن خوف في شبعا وبريتال. وتنبّأت بـ”التمديد لمجلس النواب”، وهو الأمر الذي اتفقت عليه القوى السياسية كلّها في لبنان.

وهي تنبّأت بحصول “تفجيرات”، وهي مستمرّة ومتتالية منذ عام 2004 في لبنان. وتتحدّث عن “خطر على بعض الشخصيات السياسية اللبنانية”! عن انتخاب رئيس للجمهورية سيتضمّن اسمه حرف الجيم، والطريف أنّ المرشّحين كلّهم في أسمائهم حرف الجيم: سمير جعجع، أمين الجميّل، جان عبيد، جان قهوجي، الجنرال ميشال عون…

وتنبّأت برحيل شخصية سياسية و”لبنان يلبس الأسود”. وكلّ شهر تقريباً ترحل شخصية سياسية في لبنان، وأحياناً أكثر. و”خطر على الجيش اللبناني وحواجز في المناطق”! و”جنبلاط يقول كلاماً لم نسمعه من قبل”!

كلّها تنبؤات لا علاقة لها بتوقّع أيّ شيء. أحداث يومية. كمن فسّر الماء بعد الجهدِ بالماءِ. كأن يتنبّأ واحدنا بأنّ زميله حين يستيقظ سيشرب القهوة، وبعدها سيستحمّ ويخرج إلى العمل، وليلاً سيعود إلى منزله ليشاهد التلفزيون. فها هي تستشرف أنّ “الشتاء هذا العام سيتسبّب بسيول وحوادث” و”زيارة البابا فرنسيس إلى لبنان”، وهو خبر منشور في الجرائد اللبنانية قبل 20 يوماً، في 8 أكتوبر/تشرين الأوّل الجاري.

المؤلم أنّ عشرات الآلاف شاهدوا نبوءاتها على الإنترنت، وربّما مئات الآلاف على التلفزيون.
فاللبنانيون الذين ما عاد رجال السياسية يقنعونهم بقدرتهم على استشراف المستقبل، لم يبقَ أمامهم إلا الدجّالون والنصّابون، إنْ من المشعوذين مدّعي النبوءات، أو من مدّعي التحليل السياسي أو من المشعوذين المنتشرين كالفطر في البرامج الصباحية والمسائية، وغالباً من دون أيّ معلومة أو ثقافة من أيّ نوع، غير المهارات اللغوية والكلامية.

حين كانت طرابلس تحترق هي والجيش اللبناني وقلوب أهالي الجنود المخطوفين لدى “جبهة النصرة” وأموال المستثمرين وبيوت الفقراء وآمال اللبنانيين، كانت ليلى عبد اللطيف تقول للبنانيين إنّها تعرف كلّ شيء عن مستقبلهم، وليس أمامهم إلا أن يستمعوا إليها لتطمئنهم أو تخيفهم.

ورغم أنّها لا تقول جديداً فإنّ لبنانيين كثيرين يستمعون إليها ويعترفون بصوابية توقّعاتها. كأنّهم يريدون أن يصدّقوا أيّ شيء من أيٍّ كان، فقط ليشعروا أنّ هناك من يعرف ما الذي يجري وما الذي سيجري. أنّ هناك من يعرف شيئاً عن “المستقبل”، في بلاد بلا مستقبل. مستقبل يشعر كثيرون أنّه لن يأتي، أو أنّنا لن نكون موجودين حين يأتي، أو أنّه سيكون سيئاً إلى درجة رهيبة، قياساً إلى ما نعيشه اليوم، فنرغب في معرفة “أيّ شيء” عنه.

ربّنا لا نسألك ردّ ليلى، ولكن نسألك “عبد اللطيف” فيه.

قد يعجبك ايضا