موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

عن جهاد الذي حاول انقاذ زميله فاستشهد معه

اسكندر خشاشو – النهار

لم يمرّ ذاك الأحد عادياً على أسرة الرائد الشهيد جهاد الهبر ولا على منصورية بحمدون، فالعائلة والأهالي كانوا يعلمون ان ابنهم في منطقة الشمال حيث تجري اشتباكات بين الجيش ومجموعات ارهابية.

في صباح ذلك الاحد (25 تشرين الأول)، اتصل جهاد بالجميع من أهل وأقارب وأصدقاء وحبيبة ليطمنئهم انه بخير، وانه سيغادر المركز لتنفيذ مهمة ما ولن يكون على السمع حتى المساء.
لم يزد هذا الاتصال من قلق الاهل، فجهاد منذ بداية حياته العسكرية، لا يخبر أحدًا بتفاصيل مهماته العسكرية او بما يحدث معه داخل الثكنة، فهو كتوم للغاية ولا يعلم اقرب المقربين منه سوى انه في “الخدمة”. حتى الزملاء الذين يتشاطرون معه المتاعب داخل المؤسسة لا يشاركهم بعرضها. ولا تعلم عائلته سوى ان مقر جهاد في مقر “دير عمار” من دون تحديد اذا كان مشاركاً في المعركة او في مكان بعيد عنها.
لم يكن جهاد قلقاً ذاك الاحد المشؤوم، فهو اعتاد على المهمات مهما كانت صعبة خلال وجوده في فوجيْ المجوقل والتدخل، وهما من الافواج المقاتلة في الجيش اللبناني شارك معها في مهمات كثيرة وانهاها بنجاح، كما اتم دراسة الحقوق بعد إنهاء علومه في المدرسة الحربية، وكان بصدد خوض غمار اختصاص العلوم السياسية بدءاً من العام المقبل.

ماذا حدث في ذلك اليوم؟
أنهى جهاد اتصالاته وجمع سريته وانطلق بمهمة في منطقة بحنين المعروف انها تضم مجموعات خطرة تابعة للشيخ خالد حبلص، فاشتبكت سريته مع احدى المجموعات الصغيرة التي حاولت اطلاق النار عليها واوقعت جرحى من السرية الا انها استطاعت السيطرة على الوضع وصدت الهجوم، وعادت الى ثكنتها سالمة.
هنا استشعر الهبر بخطورة الوضع في منطقته، فاتصل ليستدعيَ تعزيزات تسانده، فأُبلغ بتحريك مجموعة من فوج المغاوير لمؤازرته.

هجوم مسلح…
أثناء تجميع السرية وانتظار الدعم للانطلاق بمهمة ثانية، تعرضت السرية الى هجوم مسلح من عدد كبير من المسلحين المزودين بالاسلحة الحديثة من بستان قريب من مركز السرية، فاستشهد على الفور الملازم نديم سمعان والجندي ابرهيم سلهب من سرية الهبر، وأصيب هو بجروح في خاصرته جراء شظية من قنبلة اطلقت من المجموعة المسلحة. مشهد استشهاد ضابط وجندي من سريته جعله يندفع اكثر باتجهاهما، لمحاولة انقاذهما ربما، ونجح بالوصول اليهما، الا ان كثافة النيران التي اطلقت باتجاهه اردته شهيداً بالقرب من الشهيدين ولحق بهم الجندي نديم السمان ملاقياً المصير نفسه، كما يروي مصدر عسكري عرف جهاد جيّداً لـ”النهار”.
ويقول ان جثة الشهيد وجدت فوق جثة زميله الملازم الشهيد نديم سمعان في مشهد يدفع للاستنتاج بأنه كان يحاول انقاذه، مضيفاً ” تلقى جهاد الضوء الاخضر لاحراق البستان الذي تعرض منه لهجوم لكنه لم يفعل بسبب وجود ناس ونازحين يسكنون على تخومه، لم يرد تعريضهم للخطر فكان الهجوم القاتل من المكان عينه”.
ويكمل المصدر روايته قائلاً انه لحق بالجثة الى المستشفى وفي قلبه أمل ولو بسيط، برؤية جهاد حياً ولكن اثناء دخوله الى المستشفى فوجئ بأحد مرافقيه من الجنود يجلس الى جانب الطريق في جوار المستشفى ، فركض اليه ووجده يصرخ: “نقلني معو من المجوقل على التدخل وعلى اللواء التاني وهلق فلّ وتركني …ما اخدني معو”، في دلالة على مدى تعلق جنوده به.

محادثة “الواتس اب” ليست الاخيرة
لا تزال الصدمة بادية بشكل واضح على افراد اسرته الذين يرفضون التصديق انه غادرهم. الوالدة والاهل بانتظار يومي اجازته في الاسبوع والتي اعتاد ان يخصص يومًا كاملاً منهاً للعائلة، فيما يمضي يومًا آخر بين الاصدقاء ومع الحبيبة ريتا قرقماز التي نشرت محادثة عبر تطبيق “واتس اب” يطلب منها خلالها الشهيد الهبر أن تتذكر انه يحبها فيما لو مات. لكن ريتا تؤكد لـ”النهار” ان المحادثة لم تكن الاخيرة بينهما كما أشيع، انما حدثت قبل اكثر من اسبوع من الاستشهاد، “وكان الوضع هادئاً في الشمال”، مشيرة الى انها تأتي في سياق “التدليع الذي يمكن لكل شاب ان يستخدمه مع حبيبته وليس بالضرورة ان تكون دليل تعرضه للخطر”.
واذ تستغرب كيف وصلت المحادثة الى وسائل الاعلام في حين انها تبادلتها فقط مع اولاد عمه لرمزيتها، تلفت الى انها “اقفلت صفحتها على موقع فايسبوك في وجه المتطفلين الذين قد يستغلون ما تحتويه”.
وتوضح ريتا ان آخر اتصال من جهاد كان صباح الاحد “ولم يكن فيه شيء مميز”، حيث طلبت منه توخي الحذر، فبادلها بالمثل وانتهت المكالمة عند هذا الحد.

عرفنا من وسائل الاعلام
اما شقيقه مازن الذي كان دائماً يضع نفسه في مواجهة الاحتمالات السيئة، فيقول في حديث لـ”النهار” من داخل الكنيسة في منصورية بحمدون حيث كانت العائلة تتقبل التعازي، ان التواصل مع شقيقه تراجع في الشهرين الاخيرين بحكم عمله في السويد، لافتاً الى ان شقيقه رمزي هو من أخبره بخبر الوفاة “فقطع سفره وعاد على الفور”.
ويصف مازن شقيقه بالشاب المندفع والمتواضع قائلاً: “تفاجأت عند عرض انجازاته فلم يكن يخبرنا بشيء عن حياته العسكرية ولم نسمعه مرة واحدة يفاخر بانجاز حققه”.
اما رمزي فيقول ان الاتصال الاخير مع شقيقه الشهيد كان صبيحة يوم الاستشهاد، ليؤكد له انه بخير ولا شيء يستدعي القلق.
ويروي: “عندما بدأت تتوالى أخبار المعركة في الشمال، حاولتُ الاتصال به مجدداً لكن ما من يجيب، وأخذ قلقنا يزداد، خصوصاً عندما بدأت الاخبار تصل عبر الهواتف عن استشهاد ضابطين في بحنين، ولكن بقي الامل موجوداً لدينا”.
ويضيف: “أوردت بعض المواقع على الانترنت اسم جهاد، فاتصلت بضابط صديق له فأجابني بطريقة ملتبسة بأنه اصيب اصابة خطرة …حينها تيّقنت من الخبر”، مشيراً الى انه عند الساعة السادسة والنصف، اتصلت الشرطة العسكرية به لتبلغه رسمياً بالخبر الصاعقة.
وعن كيفية انتهاء المعركة وهروب قادة المجموعات الارهابية، يؤكد الهبر انهم كعائلة لديهم ثقة بالجيش وبقيادته التي ستكمل المعركة ولن تساوم حفاظاً على دم الشهداء.
ينضم جهاد الى رفاقه من ضباط وافراد الجيش اللبناني الذين قاتلوا حتى الرمق الاخير ارهاباً بدأ يضرب الوطن من الجهات كافة من دون رحمة، ليبقوا أملاً في نفوس اللبنانيين انه سينهزم على ارض لبنان بسواعد من تبقى من أبطال المؤسسة العسكرية.

قد يعجبك ايضا