موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ما الذي جرى ويجري في قوسايا وما خلف قوسايا؟

دانيال خياط – النهار

في الاعلام، وقعت ليل امس، معركة في جرود بلدة دير الغزال وقوسايا، في سلسلة جبال لبنان الشرقية الحدودية بين سهل البقاع وريف دمشق. اشتباكات وتحليق طيران فوق تلك الجرود واصوات انفجارات ومدفعية تسمع اصواتها في معظم بلدات السلسلة الشرقية. ليس الخبر عار تماما من الصحة، فيه شيء من الصحة وتعوزه الكثير من الدقة.

الى قوسايا توجهنا، التاسعة من ليل الاربعاء- الخميس، لنقترب اكثر من تلك المعركة. في البقاع المبتلي بعدم الامان على طرقه، سرقة وتشليح وخطف على الفدية، فان الطريق من زحلة الى قرى شرقي قضاء زحلة مرورا بالسهل، شبه خالية من السيارات، تحار ان كنت تطمئن لعبور سيارة بك او تتوجس منها. وحدها حواجز الجيش وقوى الامن الداخلي، المنتشرة على تلك الطريق، تزيل بعضا من وحشتها. تكاد الكتلة الهائلة لسلسلة جبال لبنان الشرقية، تختفي في الظلام المخيم، بالكاد تميز تقاطيعها، لكن ما تعلمه يقينا انه فوق بين قممها، تقع قاعدة عسكرية فلسطينية للجبهة الشعبية- القيادة العامة الموالية للنظام السوري بقيادة احمد جبريل، ومواقع لـ”حزب الله” وللجيش السوري النظامي.

من بلدة كفرزبد الى عين كفرزبد فقوسايا ودير الغزال، السكون مخيم، لا قنابل مضيئة كتلك التي شوهدت قبل ايام، ولا اصوات انفجارات يردد صداها البقاع، من اجلها خرجنا. عند حاجز لقوى الامن الداخلي، عند مدخل قوسايا، يسجل ارقام السيارات واسماء سائقيها، كانت مناسبة لنسأل عما سمعوه من خلف الجبل، سمعنا منذ بعض الوقت تحليق لطائرات حربية، وشعرنا بضغط الخزانات المتفجرة التي تلقيها خلف الجبل في الداخل السوري، جاءنا الجواب.

لا تستغرق الرحلة بين قوسايا ودير الغزال خمسة دقائق، لم نلتق خلالها بمدني. نلتفت الى المعسكر الفلسطيني الآخر في حشمش، فنجده هناك عنصر الحراسة بسلاحه عند مدخل المعسكر من على الطريق العامة التي تربط بين البلدتين، وما كان قبلها يظهر للعيان. صفاء السماء في تلك الليلة وفر مشهدا رائعا للنجوم لا تراه من المدن، خرقته انوار اضاءت الفضاء كالبرق. هل قبضنا على ضالتنا؟ هل نجهز الكاميرا؟ على ما يبدو سنعود خالين الوفاض.

لولا انه عندما بلغنا قوسايا، اختلف المشهد، واذ بالحياة تدب بالبلدة، على الطريق تطالعنا مجموعة من الشبان والرجال الاكبر عمرا، مدنيون، بلباس مدنية غير مسلحين، انما في ايدي بعضهم اجهزة اتصال لاسلكي. هم لم يروا الانوار التي شاهدناها وبالتالي لا يعلمون عما نتحدث، لكن عندنا ما نسألهم عنه وعندهم ما يقولونه لنا، ومن بينهم مصدر الخبر العاجل على احدى قنوات التلفزيون عن الغارات السورية التي جلبتنا الى عندهم.

هناك في وقفتنا معهم وسط طريق قوسايا مقابل الجبل الذي يأوي المعسكر الفلسطيني وخلفه ارض المعركة السورية، نحتسي الزهورات، ونتحدث، على الطريقة اللبنانية، بالاستراتيجيا العسكرية، تطنطن تطبيقات مواقع وسائل الاعلام على الهواتف الخليوية تنقل خبرا عاجلا عن اشتباكات واصوات مدفعية، وغارات طيران في الجرد مقابلنا، تليها اتصالات ورسائل على هواتفهم وهواتفنا ممن يستطلعون صحة الخبر. خبر اخرج بعض الاهالي عن طورهم، فتجلد وسائل الاعلام، ونؤخذ، نحن شهودها، شهودا عليها. وعندما نعبر في طريق عودتنا بالحاجز، نجد عناصره مستنفرين، علينا، انتم صحافيون فاين تلك المعارك والاشتباكات التي الهبت هواتفنا اتصالات ليس فقط من قياداتنا، بل ايضا من اقرباء لنا في المهجر؟ لماذا لا تنفون الخبر؟ نحن ننتظر منكم النفي.

فما الذي جرى ويجري في قوسايا وما خلف قوسايا؟

نكذب ان قلنا اننا نعرف ما الذي يجري هناك خلف جرود قوسايا، لا بل ما يجري في الجرد نفسه. ما نعرفه مصدره الحسابات الاخبارية السورية، على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تفيد عن معارك كرّ وفرّ منذ بضعة ايام بين الجيش السوري والفصائل المسلحة المعارضة له في الزبداني ومضايا، وعن قصف بالبراميل استهدفت الزبداني وصل الى ستة في تلك الليلة.

والزبداني هي اول بلدة سورية يمكن ان تبلغها عبر الطريق التي تربطها بجرود بلدة قوسايا اللبنانية، في رحلة لا تستغرق اكثر من نصف ساعة من قوسايا بحسب الاهالي. الجزء الشاق منها، يبدأ صعودا من اسفل الطريق الجبلي، بين المزارع والمناشر في قوسايا، حيث يتمركز حاجز للجيش اللبناني منذ سنوات عدة ويمنع الصعود الى الجرد حيث المعسكر الفلسطيني، وتنفرج الطريق وتصبح اوتوسترادا معبدا ما ان تصل الى المقلب السوري خلف الجبل دائما بحسب الاهالي. وجرد قوسايا عبارة عن 13 الف دونم، بين هضاب ووديان، يمتد من جنتا – قضاء بعلبك الى اعالي عنجر- قضاء زحلة.

في الوادي يتمركز المعسكر الفلسطيني، منذ الاجتياح الاسرائيلي العام 1982، مصادرا هذه المساحة من الاراضي، الموزعة بين 3 آلاف دونم ملكية خاصة والباقي مشاع بلدي، اراض كانت تستغل بالزراعة، ورعي الماشية. وبالتالي فان ما يجري في تلك الجبال، وفي المعسكر الفلسطيني، لا يعرفه سوى “الطير الطائر”، او من له اتصال مع عناصر هذا الفصيل الفلسطيني الموالي للنظام السوري، اي حزب الله المتواجد في تلك الجرود. فالحديث عن تسلل او في شكل ادق الاشتباه بتسلل للمسلحين السوريين في ذاك الجرد، يبقى على ذمة التواصل اللاسلكي. في وقت يؤكد اهالي قوسايا بانه لغاية الآن، لم يسمعوا اشتباكات بالرشاشات، اي بمعنى التحام بين مشاة، بل اصوات القصف، والغارات الجوية، وشاهدوا قنابل ضوئية فسرت على انها اطلقت للاشتباه بمحاولة تسلل، والله اعلم. تماما كما لا نعلم، ما الذي يحدو بالمعسكر الفلسطيني الثالث لهذا الفصيل، المحفورة انفاقه في جبيلة عين البيضا في سهل كفرزبد، متوسطا بلدات آهلة بالسكان، على اطلاق النار في الليالي من دون ان يكون هناك من يشتبك معهم، او يرد عليهم كمصدر للنيران.

ليست القاعدة العسكرية للجبهة الشعبية – القيادة العامة في جرود قوسايا، سوى بندقية فلسطينية، تقاتل مع النظام السوري وعنه، هي جزء من الصراع الدائر بين النظام وحزب الله من جهة والفصائل السورية المسلحة من جهة ثانية. وفي حين هناك من يراها خط دفاع عن البقاع من خطر الفصائل المسلحة لاسيما الاسلامية الطامحة لامارة، فانها بالواقع، وكما قال لنا شيوعي مخضرم من بلدة دير الغزال، انما تدافع عن وجودها. ووجودها هناك، في موقعها الذي تحتله في اعلى القمم المشرفة على البقاع، تستجلب خطر الحرب ومعاركها، الى عقر حدودنا.

واذا كان اهالي قرى شرقي زحلة يتوجسون، سيما بعد معركة عرسال، والمعارك في جرود بريتال والخضر والنبي شيت، خطر الفصائل المسلحة التي تعتنق فكرا اسلاميا جهاديا يكفّر ويهدر دماء من لا يعتنقه. فان تكون هذه الفصائل، قادرة على ان تربح المعارك في الجبال، التي هي في قبضة الجيش السوري النظامي وحزب الله، وتتقدم لتبلغ الموقع الفلسطيني وتحتله وتحتفظ به، هو السيناريو الابعد بالنسبة لاهالي قوسايا وجوارها، وحتى لدوريات شبانها المتيقظين ليلا. ما يخشونه فعلا هو تسلل عناصر محدودة، عبر تلك الجرود الشاسعة، الى الاراضي اللبنانية، ويقولون بان دورهم هو ان يكونوا جرس الانذار الذي يبلغ الاجهزة الامنية والعسكرية عند الاشتباه بتحركات مشبوهة. وهم مرتاحون للتدابير التي يتخذها الجيش في منطقتهم، انطلاقا مما يجري خلف الحدود وقريبا جدا منها.

وفيما الحديث عن قرى شرقي قضاء زحلة، هو عن “خطر داعشي” مقبل من خلف الحدود وعن دور للقاعدة الفلسطينية العسكرية في صده، فان الخطر المباشر الذي يحمل الاهالي همّه، هو “تفكك” عناصر هذا الفصيل الفلسطيني عن قيادتهم، وانشقاقهم الى المعسكر الآخر الدائرة حربا بينه وبين النظام السوري وحزب الله.

فالذي يجري في جرود قوسايا، هو ما جرى ويجري عند كل منفذ حدودي مع سوريا، من الشمال الى البقاع، لا يسيّجها الجيش اللبناني خط دفاع اول عنها، علما ان حماية الحدود لا تكون بالعسكر فحسب، بل بوحدة وطنية، وهيبة دولة قادرة ان تحكم في الداخل. والى حينها من راشيا الى عرسال، مرورا بقوسايا، لا يسع المواطنون سوى ان يتمنوا شتاء مبكرا وثلوجا كثيفة، تسدّ طريق الجرد الى قرى لبنان، في وجه الحرب السورية.

قد يعجبك ايضا