موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

رياض رحّال: ابن المقفع العكّاري!

التقطت الكاميرات، أول من أمس، نائب عكّار رياض رحّال وهو يصف حراك المجتمع المدني بأنه «شي بيخـ…»، لكن، بحسب عارفي الرجل، فإن هذا اللفظ أقل ما يمكن العثور عليه في «قاموس رحال»؛ إذ إن إبداعاته تفوق ذلك بكثير

غسان سعود
إنه عصر الإثنين 21 آب 2000. تتهاوى الشمس ببطء في سهل عكار، فيما يقترب من الميكرو رجل يبدو ظريفاً للوهلة الأولى. يفتح ذراعيه على غرار الأنبياء في الأفلام، ويقول: “جئنا اليكم، ايمانا منا بوحدة المسار والمصير مع الشقيقة سوريا، برأسها الشامخ شموخ الطود الرئيس الرفيق بشار حافظ الاسد”. تبحث عن معنى كلمة طود في القاموس فتجدها “الجبلُ العظيم الذاهبُ صُعُداً في الجوّ”.

هو لا يقول أبداً الرئيس بشار الأسد؛ يحرص على تسميته “الرئيس الرفيق بشار حافظ الأسد”. تهتف الجماهير “بالروح بالدم نفديك يا بشار”، فيلبيها: “حدود بلدنا وحدة المسار والمصير وصيغة التعاون والتضامن وصخرة العناد والتحدي ونزف دماء المقاومة”. وها هو يغني: جنوبا المقاومة، المقاومة النصر، المقاومة التحرير، المقاومة الحرية”. ويتابع: “نعاهدكم الوفاء لمعاهدة الاخوّة والتنسيق والتعاون مع سوريا، سوريا الصمود، سوريا التصدي”. ويشير إلى الجماهير أن تهدأ ليخاطبها بوقار الآن: “أنا جندي مناضل في سبيل الحق والحرية، أستظل طيف المثل والمثال، فخامة الرئيس العماد اميل لحود، اطال الله بعمره لاحلال السلام في ربوع وطننا، جنبا الى جنب مع اخيه سيادة الدكتور الرئيس الرفيق بشار حافظ الاسد، الذي ينتهج نهج عظيم الأمة الراحل الكبير سيادة الرئيس حافظ الاسد”.
في كانون الثاني 2003، تتبع صور الرئيس إميل لحود على طول طريق الشمال فتوصلك إلى القاعدة العسكرية في مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات. ها هي زوجة الرجل نفسه، تحشد في مناسبة عيد الطفل أطفالاً يلوّحون بصور الرئيس لحود ترحيباً بزوجته السيدة أندريه لحـود، في حضور عقيلة قائـد الجيش السيدة وفاء سليمان (التي ستكون ضيفة الشرف في احتفال مماثل بعد سبع سنوات). سرعان ما ترى الرجل نفسه يزاحم المحيطين برئيس قسم الأمن السوري في عكار العقيد الركن نبيل حميشة، ليجلس بجانبه في احتفال يقيمه أحد وجهاء بلدة عكار العتيقة في ذكرى حرب تشرين عام 2004. يتمادى في التأمل غداة وقوف الحاضرين دقيقة صمت إجلالاً لروح الرئيس حافظ الاسد، فينسى نفسه واقفاً حتى يشدّه أحدهم ليجلس. يهز رأسه تأييداً لقول مستضيفهم إن “الوفاء لتضحيات القيادة السورية يستلزم منا تدعيم مسيرة الرئيس الأسد بشتى الوسائل”. وسرعان ما يقف مصفقاً لرفض الخطيب الحملات على الرئيس لحود “من جراء مواقفه القومية ودعمه المقاومة”.
في 2005 يستشهد الرئيس رفيق الحريري ويحين موعد الانتخابات. ترى الرجل السابق نفسه يعصب رقبته بفولار أحمر وأبيض، واضعاً زر الرئيس رفيق الحريري على جاكيتته، يشهق بالبكاء واقفاً وسط الجالسين. تسأل عن اسمه وعما يفعله هنا. فيجيبونك بأنه رياض رحال، وبأنه صاحب مستشفى لا معاون رئيس قسم الأمن السوري في عكار كما ظننت، ووصل إلى هنا بعد تيقنه من أنه ما من مكان له على اللائحة المناوئة لتيار المستقبل في عكار: قصد النائب أحمد فتفت بناء على أوامر أخيه، فما كان من المستقبل إلا أن تبنّاه لعدم وجود مرشح أرثوذكسي أكثر جدية.
صار نائباً: موكب ومرافقون ولوحة زرقاء ولهفة شعبية وسباق إعلاميّ لاستصراحه. في أحد واجبات العزاء، يسأله الحاضرون يجيب: النظام السوري؟ انتحر ودفنّاه. عون؟ هارب من العصفورية، هو وجماعته. قاموس الرجل زاخر وكأنه “كليلة ودمنة” لابن المقفع. في أكثر أحاديثه تأدباً يصف خصومه السياسيين بـ “الكلاب، الحيوانات، الحمير والبهايم”.
إعلامياً يقول غداة الجلسة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية إن الاقتراع بورقة بيضاء (المعمول به في أكثر دول العالم ديمقراطية انتخابية) مهزلة وهرطقة دستورية. بناء على “معهد رياض رحال للدراسات”، فإن “أتباع حزب الله يمثلون 30% فقط من الشيعة”. تسأله إحدى الصحافيات عن رأيه في موقف بكركي، فيسارع إلى مقاطعتها: “اسمعي تقلك، النواب بينتخبوا ما بكركي، بكركي ما بحقلها ترشح حتّى، هو يطلب تطبيق الدستور وما حدا قدّه”. تزوره صحيفة “البيان” لتسأله عن ترشيح سمير جعجع، فيجيب: “إذا بعده بدهن الناس جعجع قاتل، فهيدي مشكلة الناس ما مشكلة جعجع”. أما حزب الله، فهو “عدو يدمّر المؤسّسات وينهب المطار والمرفأ والمرافق”. أما توجيهاته للجيش، فهي “قتل كل من يحمل سلاحاً فوراً”. ويسأل أخيراً عن تجييش فريقه السياسي ضد الجيش فيجيب إن “هناك قلة من نوابنا فاتحون عحسابهم”، و”نعم، هناك أخطاء من ضبّاط عونيين وقوميين وشيعة وبعثيين، لكن لا يمكن وصف الجيش ككلّ بالتحيّز (…)”.
ماذا بعد؟ كان حظ أقرباء رحال، ولا سيما أسرته التي يحرجها بتصريحاته، عظيماً أول من أمس، حين اكتفى بقوله للصحافي عن الحراك المدنيّ ضد التمديد أنه “شي بيخـ…”. هذا ألطف بكثير مما يقوله رحال يومياً عشرات المرات عن جماعات وقوى وأحزاب وأشخاص، بعضهم يخالفه التوجه السياسيّ، والبعض الآخر عضو في كتلته.

قد يعجبك ايضا