موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

جنبلاط: كيف أقف ضد السوريين الذين اختاروا إسقاط بشار؟

قد يربط المراقبون مواقف النائب وليد جنبلاط، التي تشدد على دعوة أبناء طائفة الموحدين الدروز في سوريا إلى «الانفصال» عن النظام الدموي الذي يفتك بأبناء شعبه حفاظاً على ما تبقى له من هيمنة ووجود على بضعة أجزاء من سوريا، بالزيارة التي قام بها مؤخراً إلى موسكو ولقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وقد يربطها البعض الآخر بالأحداث الدموية التي شهدتها بلدة «عرنة« السورية الدرزية والتي سقط نتيجتها العشرات من أبنائها إثر الاشتباكات التي دارت بينهم وبين مسلّحي المعارضة من «الجيش السوري الحر» و»جبهة النصرة«.

واقع الحال، ان جنبلاط لم يبدّل موقفه من سوريا ونظامها وانتفاضة شعبها، وأعلن منذ اليوم الأول للثورة «السلمية» التي أطلقها السوريون ضد الطاغية الدموي في دمشق، وقوفه إلى جانب خيارهم، ودعا الدروز السوريين إلى تذكّر تاريخهم المشرف الذي جسّده زعيم «جبل العرب« سلطان باشا الأطرش في ثورته ضد الاستعمار الأجنبي وإطلاقه إلى جانب باقي ابناء سوريا من كافة المذاهب «الثورة السورية الكبرى» في عشرينيات القرن الماضي، طالباً منهم إما البقاء على الحياد أو الالتحاق بصفوف الثورة، وقد أكّد على ذلك في موسكو وباريس والقاهرة وفي كل مواقفه الداخلية.

ومنذ اليوم الأول، لثورة الشعب السوري، قال جنبلاط إنه مع الخيار الذي يرسو عليه قرار السوريين، وإن هم اختاروا استعادة حريتهم المصادرة، وقرروا الاطاحة بالطغمة الحاكمة التي نهبت أموالهم وثرواتهم الطبيعية، فلن يكون له كلمة في هذا القرار، بل لا يستطيع انطلاقاً من تاريخ المختارة بالوقوف إلى جانب المظلوم ونصرة الأحرار، سوى أن يكون إلى جانب خيار الشعب السوري. «هم اختاروا الثورة على بشار، وهم من يريدون التخلّص من طغيانه وإجرامه، فكيف لا أكون إلى جانبهم» يقول جنبلاط لـ «المستقبل«.

لكن تطوّر الأحداث في سوريا منذ العام 2011، أجهض محاولات السوريين السلمية من أجل التخلص من بشار، وتدخّلت مجموعة الدول التي تطلق على نفسها اسم «أصدقاء سوريا»، غير أن هذا التدخّل جاء «ليصب الزيت على النار» ويطيل أمد معاناة السوريين، وحياة النظام في آن، فلم يقدّموا إلى «الثوار» ما يساعدهم على إنهاء الوضع الشاذ الذي يعيشونه، والعودة إلى حياتهم الطبيعية وإطلاق مرحلة إعادة بناء بلادهم، لكنهم في الوقت عينه، ساهموا في شرذمة الثوار الذين انقسموا بين ما أطلق عليهم اسم «المعارضة المعتدلة»، وبين «المتطرفين الارهابيين» الذين اختاروا الانضمام إلى صفوف «جبهة النصرة» أو «الدولة الاسلامية في العراق والشام« (داعش).

ويؤكّد جبنلاط «السوريون اختاروا جبهة النصرة، وهم الذين اندفعوا في هذا الاتجاه نتيجة أسباب عديدة، وأهل مكّة أدرى بشعابها»، مضيفاً في استعارة لموقف سابق أثار زوبعة من التعليقات حين رفض اعتبار مقاتلي «جبهة النصرة» إرهابيين «كيف يمكن أن يكون السوريون الذين التحقوا بجبهة النصرة إرهابيين. هل كل الذين قرروا التمرّد على نظام بشار إرهابيون؟».

مواقف جنبلاط لم تتغيّر ولم تتبدّل، لا بالنسبة إلى دروز سوريا، ولا بالنسبة إلى دروز لبنان، فدعوته الدائمة كانت التعايش وعدم اللجوء إلى تطبيق الأمن الذاتي في قراهم وبلداتهم، وقد جال وصال على جميع المناطق «الدرزية» في الجبل، وصولاً إلى «وادي التيم» و»العرقوب»، مناشداً أبناء هذه المناطق ضرورة «النأي بالنفس» عن الأحداث الدموية في سوريا، والالتفات إلى ضرورة المحافظة على التعايش الأخوي الذي ميّز بلداتهم ومناطقهم على مرّ التاريخ، وعدم الوقوع في الفخ الذي نصب لهم أبان الحرب الأهلية العابرة، والتي يحاول النظام السوري استعادتها لتحريك «النفوس الضعيفة» مجدّداً وتصدير حربه لإحراق الجبل وإغراقه في أتونها.

وإذا كانت دعوة جنبلاط الدروز بضرورة العودة إلى الجذور، واستعادة مسيرة السلف الصالح التي اطلقها الأمير السيد عبدالله التنوخي من حيث التزام أركان الاسلام الخمسة، وبناء الجوامع في القرى والبلدات التي كانت تضم مثل هذه الصروح الدينية في العهود السابقة، فإن دعوته أمس دروز سوريا إلى «فك ما تبقى من إرتباط مع النظام (السوري) والاتجاه نحو تحقيق مصالحة شاملة مع مناطق الثوار لا سيما في حوران ودرعا والقنيطرة«، تأتي لتعزيز المنطق السالف الذكر لجنبلاط، ولتكرار مواقفه الثابتة من النظام والشعب السوري.

ويشدّد جنبلاط مجدداً على أنه «آن الأوان لاتخاذ القرار الجريء بالخروج من عباءة النظام الآيل إلى السقوط عاجلا أم آجلا والالتحاق بالثورة التي من الأساس رفعت شعارات الحرية والكرامة والتغيير وهي شعارات محقة ومشروعة لكل أبناء الشعب السوري».

هل يستمع أبناء «جبل العرب» الموحدون إلى نصيحة جنبلاط ويعملون بها؟ هل تكمن مصلحتهم حقاً في الانفصال عن النظام والتصالح مع ابناء المحيط؟ لا يجب اعتبار ذلك من التساؤلات بل هي من البديهيات التي أثبتت صحّتها وجدواها منذ مرّ العصور، وتاريخ الموحدين الدروز يشهد أنهم كانوا دوماً في مواقع ردّ الاعتداء عليهم وعدم الشروع أو الانخراط في مشاريع عدائية ضد الآخرين، وما دعوة جنبلاط سوى محاولة لتجنيب سفك دماء عزيزة غالية في غير المكان الذي يجب أن تسفك فيه، وما فصائل ما يسمّى «جيش الدفاع الوطني» في سوريا التي التحق بها الدروز في محافظة السويداء، إلا مخططات مكشوفة للنظام «لتأليب المناطق والطوائف والمذاهب على بعضها البعض بهدف استدامة الأزمة المشتعلة والحفاظ على بقائه حتى ولو كان فوق جثث وأشلاء السوريين« كما يقول جنبلاط.

لا تقوى الأنظمة الاستبدادية الجائرة على البقاء سوى باللجوء إلى النار والحديد والدم، ولم يستطع آل الأسد من الأب إلى الابن الاستمرار في حكم سوريا إلا من خلال هذه الوسيلة، وشواهد التاريخ عليهما كثيرة، لكن على ما قال أبو القاسم الشابي «إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر»، ولا بد أن النظام السلطوي آيل إلى الزوال، وإرادة الشعب السوري ستنتصر مهما طال الزمان.
صلاح تقي الدين | المستقبل

قد يعجبك ايضا