موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الدولة الفاشلة: نعدكم بالغرق دائماً!

ايفا الشوفي – الأخبار

انتظرها اللبنانيون مجدداً، ككل عام، وفي المكان نفسه: نفق طريق المطار. لحظات قليلة كانت كافية ليغرقوا داخل سياراتهم، وهم ينظرون بدهشة لما يحدث أمامهم، كأن هذا المشهد غريبٌ عن هذه الدولة الفاشلة. فلينتظروا العاصفة الآتية لأن الدولة تعدهم بالغرق مجدداً.

عند الساعة الخامسة كانت مداخل العاصمة مقطوعة، أمّا العاصمة نفسها، فكان الطوفان قد اكتسحها معلناً للعالقين أن مناشداتكم لهذه «الدولة» لم (ولن) تجدي. اقتحمت السيول المسلك الأول لنفق المطار محوّلة إياه إلى بركة مياه، هرع الأب لإنقاذ طفلته البالغة من العمر سنتين كي لا تبللها المياه، حاول الكثيرون أن يخرجوا من هذه «البهدلة» بأقل الخسائر الممكنة، أصبحت الزحمة لا تطاق؛ الناس في المسلك الآخر عالقون أيضاً، يقفون على رصيف النفق منتظرين ارتفاع منسوب المياه ليغمر سياراتهم.

انتظر هؤلاء قرابة الساعتين، وحدهم في نفق المطار، أين «الدولة»؟ أين «المسؤولون»؟ أين أي أحد؟ لم يلتفت إليهم أحد. من ساعده حظه على النفاذ من الغرق داخل النفق، بقي ساعات طويلة على الطرقات يشتم الدولة والبلد وحتّى الشعب «العنيد».

العام الماضي شاركهم جزءاً من مأساتهم النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم، الذي لم يتبلل ولم تغرق سيارته لكنه كان موجوداً وشهد على «الإهانة». غضب آنذاك ووعد بالتحقيق في القضية، وتمكّن من إنجاز خطوة إيجابية عبر استدعاء كل من الوزيرين غازي العريضي ومحمد الصفدي ورئيس مجلس إدارة شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات «ميز» النائب غازي يوسف. الخلاصة كانت الادعاء في 19 كانون الأول 2013 على «ميز» بجرم «الإهمال والتخريب» بسبب عدم تنفيذ التزاماتها على الرغم من حصولها على الأموال، وإحالة الملف إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات. هنا «يخفت» صوت كل القضايا و»الملفات»، السرية التي تحوم فوق «الملفات» تمنع أي أحد من معرفة أين أصبح الموضوع، لكنّ القضية حيوية، وتتعلق بحياة عدد كبير من الأشخاص الذين كادوا يموتون هذا العام والعام الماضي، والمأساة نفسها تكررت مع آخرين هذا العام، وستتكرر عند العاصفة المقبلة. كل هذا لا يستدعي العجلة، فليُترك الملف لسنوات وليغرق الناس كل سنة ويدخل القضاء أيضاً نفق المماطلة والتباطؤ. تعذّر الاتصال بالقاضي غسان عويدات لكن ما نعرفه هو أنّ القرار الظني لم يصدر بعد، وعلى الصعيد القانوني ما من مدّة محددة تلزم بإصداره،

إلّا أن المسؤولية تجاه المواطنين والرأي العام تفرض على القضاء أن يتعامل مع القضية بجدية قصوى وبسرعة كبرى، وهو ما لم يحصل، فأعدنا جميعاً – مواطنين ووزراء ومتعهدين وقضاة – تكرار السيناريو ذاته.

يتأسف وزير الأشغال العامة غازي زعيتر على الناس الذين عاشوا «كارثة» أول من أمس، تماماً كما تأسّف منذ عام الوزير السابق غازي العريضي. طلب فتح تحقيق كامل يشمل جميع الفيضانات التي حصلت السبت، وعلى وجه الخصوص فيضان نفق المطار، وسيجتمع اليوم مع فنيين، مهندسين، لجان المراقبة وهيئات الإشراف على الشركات المتعهدة، لوضع تقرير بالأسباب التي ذلّت الناس مجدداً. يؤكّد أنه طلب منذ شهرين من جميع الشركات المتعهدة تنظيف وتعزيل المجاري الشتوية، وفي ما يتعلّق بالاعتمادات يقول إنه «وقّع جميع الكشوف، فلا يتذرعنّ أحد بعدم وجود أموال». لا يريد زعيتر استباق الموضوع «فلننتظر نتيجة التحقيق» يقول، تماماً كما لا نزال حتى اليوم ننتظر نتيجة تحقيق العام الماضي! القاضي علي ابراهيم أيضاً يباشر اليوم التحقيق في طوفان أول من أمس في نفق المطار ومناطق أخرى. حتّى «ميز» بصدد وضع تقرير عما حصل في النفق، لنصبح أمام ثلاثة تقارير ننتظر أن يتوصل واحد منها على الأقل إلى استرجاع حق الناس التي أُهينوا.

على ضوء تقرير اليوم سيتخذ زعيتر «إجراءات قضائية، إدارية وحتّى بنيوية إذا ما تبيّن أن المشكلة في البنى التحتية»، يتحدّث عن معلومات تفيد بأنّ «المضخات توقفت عن العمل داخل النفق»، ويسأل «لماذا تعطّلت؟ هل هي قديمة؟»، يترك الإجابة للتقرير. مدير المشاريع في «ميز» محمد شاتيلا، يقول إن «المضخات قوية وكانت تعمل علفى نحو طبيعي، لكن كمية الأمطار التي هطلت كانت هائلة، إضافة إلى أن البنية التحتية لتلك المنطقة ضعيفة جداً، ويعد النفق نقطة منخفضة ما يؤدي إلى تجمّع المياه، فضلا عن ذلك، فإن جميع المجاري جرى تنظيفها وقمنا بكافة واجباتنا الاستباقية، وهناك مراسلات تؤكد ذلك». يؤكّد رياض الأسعد، مدير شركة «الجنوب للإعمار» المكلفة أعمال صيانة النفق من قبل «ميز»، كلام شاتيلا، ويضيف إليه مشكلة نهر الغدير، الذي «يشق طريقه باتجاه النفق ما سيجعل المشكلة قائمة دائماً». جواب زعيتر عن هذه الموضوع حاسم «إذا كان هناك خلل بنيوي فلماذا قبلوا التلزيم؟ فليرفضوه إذا كانوا لا يستطيعون حماية الناس من الغرق». سؤالٌ مقابل يطرحه المواطنون: «أين وزارة الاشغال من الرقابة المسبقة؟».

لا يعد زعيتر الناس بعدم تكرار المأساة في العاصفة المقبلة «إذا كانت المعالجة تتطلب وقتاً، فلا أستطيع أن أعدهم أنهم لن يغرقوا»، أمّا الأسعد، فيعدهم: إذا تساقطت الأمطار بهذه الغزارة مجدداً، فستغرقون!

قد يعجبك ايضا