موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

العميل الذي كان يتصل بالعدو من مكتب شمعون!

أمين عباس الحاج، اسم سمعه أهالي «الضاحية» جيداً. الرجل يعدّ من «أخطر عملاء» العدو الإسرائيلي. عمل مع الرئيس السابق كميل شمعون وشارك في لقاءات «عرض البحر» بين الإسرائيليين وبشير الجميّل. اليوم، يشكو العميل من مشغليه الذين «رموه كالكلاب»… بعد ثلاثين عاماً من «الخدمة»

أخطر العملاء يكشف أسراره. هذا هو عنوان صحيفة «يديعوت أحرونوت»، لمقابلة أجراها معلق الشؤون الاستخبارية في الصحيفة، رونن برغمان، مع عميل لبناني خدم الاستخبارات طويلاً، يدعى أمين عباس الحاج. الأسئلة كانت شخصية وعملية وكشفاً لأسرار كانت إسرائيل تحرص على عدم الإقرار بها، ومنها لقاءات بين الرئيس اللبناني بشير الجميل ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.

المقابلة جاءت طويلة جداً، استعرض فيها الحاج عمالته وإخلاصه لإسرائيل، لكن في الوقت نفسه، شكا من سوء المعاملة التي تلقاها من الاستخبارات الإسرائيلية، بعد أكثر من ثلاثين عاماً قضاها في خدمة الاحتلال. إلا أن الصحيفة لم تجد في أصل العمالة وسوء المعاملة عنصرين كافيين ليجذبا القارئ، فتلمّست الإثارة الإعلامية عبر ذكر ــ وفي أول كلمة من كلمات المقابلة ــ أن الحاج كان قد ترعرع في الضاحية الجنوبية، حيث ترعرع القائد العسكري لحزب الله، الشهيد عماد مغنية، وكأن في هذا كشفاً عن إنجاز استخباري ما، يكفل للصحيفة زيادة عدد قراء، رغم أن هذه «المعلومة» يتشارك فيها مئات الآلاف من ساكني الضاحية الجنوبية لبيروت، أي «الحي» بحسب تعبير الصحيفة، الذي ترعرع فيه مغنية.
وتعمدت الصحيفة ذكر، وفي أكثر من موقع، أن للعميل أقارب ينتمون إلى حزب الله، الأمر المشابه لذكر الشهيد مغنية.

وصحيح أن هذه المسألة بعيدة عن فهم القراء الإسرائيليين، لكن في لبنان الأمر مفهوم جيداً، إذ لا أحد من سكان الضاحية أو غيرها من المناطق اللبنانية، من دون أقارب عناصر في حزب الله. مع ذلك، المقابلة غنية بما سمحت الرقابة العسكرية بنشره، رغم مرور سنوات طويلة على إنهاء خدمة العميل. وهذا ما تلفت إليه الصحيفة في نهاية المقابلة، إذ تشير إلى أن كثيراً من الأسرار لم يكن بالإمكان نشرها، نظراً إلى خصوصيتها وسريتها.

«رموني كالكلاب»

بحسب وصف «يديعوت أحرونوت»، كان العميل الملقب بـ«رومينيغيه»، أحد أخطر العملاء بالنسبة إلى اجهزة الاستخبارات في الشرق الأوسط. وكان له دور أساسي في سلسلة طويلة من العمليات، أغلبها لا يزال حتى اليوم طيّ السرية. تسبب الحاج بنشاطه الاستخباري باعتقال المئات من المخربين (الفلسطينيين)، وساعد على السيطرة على أطنان كثيرة من الوسائل القتالية.

وبحسب الصحيفة أيضاً، شارك في قضايا وعمليات استخبارية هامة جداً. وكان يعتبر خلال سنوات طويلة «ثروة استخبارية كبيرة لإسرائيل».
أما الآن، فيخرج العميل العتيق لا للحرب ضد الفلسطينيين، الذين حاولوا تصفيته، ولا ضد أقاربه اللبنانيين الذين انضم كثيرون منهم الى حزب الله، وإنما ضد مشغليه.
وتنقل الصحيفة عنه قوله بغضب: «لقد رمتني الأجهزة الاستخبارية كالكلاب… وانا أعيش في إسرائيل ببطاقة منتهية الصلاحية دون حقوق ودون تأمين طبي، وعدد قليل فقط من أصدقائي الجيدين يقومون بمساعدتي بين الحين والأخر. لقد استخدموني، وانتزعوا كل ما بوسعهم امتصاصه مني، وأعطيت قلبي وروحي لهم، والآن ألقوا بي جانباً مثل الخرقة البالية، لقد رموني رمية الكلاب».

مساعد كميل شمعون

وتكشف الصحيفة أن الرئيس اللبناني الأسبق، كميل شمعون، هرّب العميل الحاج من جنوب بيروت الى شرقها، بسبب التهديدات بالقتل التي تلقاها من جهات فلسطينية ولبنانية. وبعد ذلك، انضم للعمل مع شمعون كمساعد، ومن ثم كرئيس لحرسه الخاص، وأصيب في انفجار سيارة استهدف الرئيس اللبناني. وخلال ذلك انكشف على علاقات سرية بين إسرائيل وحزب الكتائب، ولاحقاً عيّن ضابط الاتصال اللوجستي مع هذا الحزب.
وتنوّه الصحيفة بأنّ الاستخبارات العسكرية اغتنمت الفرصة لتجنيدها هذا «الوحش البشري» حتى تحوله إلى عميل سري. واختار له ضابط الاستخبارات الإسرائيلية لقباً باسم «رومينغيه».

ويقول رومينيغيه إنّ مشغليه في وحدة الاستخبارات «504» (وحدة تشغيل العملاء)، دأبوا على الاتصال به من قبرص وهو داخل مكتب شمعون، وعندما كان يرغب هو في الاتصال بهم، كان يهاتف مكتباً للوحدة في قبرص، ويقدم نفسه باسم «الثعلب الشيخ»، ويلتقيهم في عرض البحر.
وكانت مهمته المركزية وقتذاك رصد تحركات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وجمع أكبر كمية ممكنة من المعلومات حولها، وخاصة تلك المتعلقة بأبو جهاد (الوزير)، وأبو الهول، ونديم مطرجية، وعوني الحلو، ونعيم جمعة من «جهاز أمن 17».
وبحسب ما ورد في المقابلة، تمكن العميل من تجنيد 15 من اللبنانيين والفلسطينيين، ساعدوا كثيراً في عمليات قصف وتوغلات برية قبل حرب لبنان الأولى عام 1982.

اغتيال علي حسن سلامة

ويعترف العميل بأنه قدم معلومات عن الشهيد علي حسن سلامة، قائد «أمن 17» الذي كان معنياً بحراسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبيل اغتياله في بيروت بعدما اتهمته إسرائيل بتخطيط عملية ميونيخ. ويتابع: «طلبوا مني معطيات عن مكتبه وبيته وطريقه للعمل، ونادي اللياقة البدنية الذي يرتاده وعن عائلة زوجته ملكة جمال العالم جورجينا رزق».

وتوضح الصحيفة أن الاستخبارات الإسرائيلية بدأت تقلق من عودة قادة المنظمات الفلسطينية من تونس إلى لبنان بعد مغادرتهم في 1982. وتشير إلى اكتشافها أن القادة والناشطين الفلسطينيين تسللوا عبر قبرص من تونس وليبيا إلى لبنان، وعندئذ استعانت إسرائيل بـ«رومينيغيه».
ودأب الأخير على جمع المعلومات من خلال صِلاته بالنوادي الليلية في ليماسول ومنطقتها ومع سائقي سيارات الأجرة وموظفي الجمارك في قبرص وغيرهم. وكانت وحدة الاستخبارات العسكرية 504 ترسل محققين مختصين على متن زوارق عسكرية لتعتقل القادة والناشطين الفلسطينيين وهم داخل سفن وزوارق مدنية قامت بتهريبهم من قبرص إلى بيروت.
وتورد الصحيفة أن شبكة رومينيغيه كان لها دور مركزي في حرب عام 1982، وأنه ساهم في توفير معلومات قبيل عمليات نفّذت في الشرق الأوسط، ولا تزال بمعظمها طيّ الكتمان. وقالت الصحيفة إنه قام بإدارة شبكة تجسس من داخل حانوت للخضر في حيّ الأشرفية وساهم في إنقاذ عدد كبير من الإسرائيليين.

أنا وبشير في نهاريا

يروي «رومينيغيه» أنّه «وصل معنا (الرئيس اللبناني الأسبق) بشير الجميل مرات عدّة في يخت لعقد لقاءات في حيفا، وأن الجميل كان يصاب بصورة دائمة بحالة من الغثيان في عرض البحر». ويتابع: «شاركت في إحدى المرات في اجتماع جمع الجميل بمناحيم بيغن، في الغرفة 214 داخل فندق كارلتون في نهاريا»، مضيفاً: «إسرائيل ارتكبت أكبر أخطائها بتواصلها مع مسؤولي حزب الكتائب الذين ورطوها في لبنان».

وتلفت الصحيفة الى أنه مع نهاية عام 1982، بعدما خرجت أغلب قوات منظمة التحرير من بيروت، بدأ الجيش الإسرائيلي بالانسحاب باتجاه جنوب لبنان، فتغيّر طابع عمل الاستخبارات ضد المنظمات الفلسطينية، وأيضاً تغيرت حياة رومينيغيه، إذ استقال من عمله الى جانب كميل شمعون، وبدأ العمل كرجل أعمال ينقل بضائع عن طريق البر والبحر في أنحاء الشرق الاوسط، وراكم ثروة كبيرة.

يحيى دبوق | الأخبار

قد يعجبك ايضا