موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

…. وفي اليوم التالي: توفي صالح

مايز عبيد – البلد

خلال زيارة استطلاعية مع صديق لي إلى أماكن تواجد النازحين السوريين في بلدة وادي الجاموس في عكار للإطلاع على أحوالهم بغية كتابة تقرير في هذا الصدد استقبلنا اللاجئ صالح الصالح وهو أب لعائلة من سبعة أولاد. لم يكن بحاجة الى اسئلة تطرح عليه ويجيب عليها ، وكثرة ما فاض همه صارت الكلمات تتسابق للخروج من القلب علّ الشكوى تصل الى حيث يجب ان تصل.

استقبلنا صالح الصالح وهو اللاجئ السوري الذي يسكن في “كاراج” مستأجر من أحد البيوت قيد الإنشاء على طريق وادي الجاموس – العبدة، ورحّب بنا . كانت الهموم والمتاعب تعلو وجه هذا اللاجئ صاحب العائلة الكبيرة . حدثنا عن معاناة اللاجئين وما يقاسون فقال:”ماذا أقول لكم؟ المشاكل كثيرة والهموم كبيرة والمساعدات قليلة وهي تخف بالتدريج. مشاكلنا تبدأ من تأمين لوح الصابون انتهاءً بتأمين إيجار المسكن”.
وتابع الصالح قائلاً:” يا ريت لو فيكن تأمنولي أي مساعدات أنا وأولادي خصوصاً على أبواب الشتاء”.
المعاناة كانت بالفعل كبيرة لدى هذا اللاجئ والأب. والهموم الكثيرة التي كان يختزنها في رأسه كانت أكبر من أي كلام يمكن أن يقال في صددها.احتار في انتقاء عبارات تعبر عن سوء وضعه وعائلته ، وفي كل مرة كان يقطع حديثه بالنظر من حوله وكأنه كان يريد القول ان المكان بحد ذاته كفيل بكشف سوء الحال والاحوال .
لوقت طويل استمر في التعبير عن غضبه والامتعاض والغصة تغلب ملامحه . هو اللاجئ الذي لا يزال لا يصدق كيف انقلب الدهر على بلاده فأجبره على مغادرتها ليواجه الذل خارجها.
غادرنا مكان اقامة صالح واكملنا الجولة على بقية النازحين لمعاينة اوضاعهم ، كلهم اشبه بصالح الصالح حتى بدا وكأنه كان الناطق باسمهم .
معاناة
واقع أليم يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان وخصوصاً في مناطق عكار. فهؤلاء وبسوادهم الأعظم من الفقراء المساكين لجأوا قسراً إلى مناطق فقيرة أيضاً. هم من البشر لكنهم لا يعيشون مثل الغالبية العظمى من البشر . فهل لنا أن نتخيل كيف أن إنساناً:(طفلاً – شيخاً – إمرأة ..) ينام في خيمة والمطر من تحته ومن فوقه والرياح قادرة في أي لحظة أن تقتلع موطنه وهي الخيمة من فوق رأسه وترميها في قعر البحر !!
وهل لنا أن نتخيل كيف تعيش عدة عائلات في “كاراج” مخصص في الأصل لركون سيارة أو سيارتين، من دون حيطان لا يفصل بين العائلة والأخرى إلا ستارة من قماش !!
أين الإنسانية؟
من منطلق إنساني بحت وبعيدا كل البعد عن أية حسابات، ليس كل ما يقال عن اللاجئين السوريين صحيحًا. فهؤلاء اللاجئون يقاسون الأمرّين في حياتهم. إذ ليس في الأصل شيء أصعب من أن يترك الإنسان دياره وينزح إلى ديار أخرى، وأحياناً يسكن في خيمة فيأتيه الشتاء ويرمي به وبخيمته في البحر، لا يمكن لبشر أن يتحمل كل هذه المآسي لولا أن يكون هرب للحفاظ على حياته وحياة أولاده.
في بلدة وادي الجاموس أيضاً وعلى الطريق المؤدي منها إلى بلدة ببنين في عكار، يقف السوري دحام الصطو على سلم خشبي ويدق أكياس النايلون على فتحات الجدران في “الكاراج” الذي يسكنه بالإيجار.
أصبحنا مستهدفين
يقول دحام في حديثه إلى صدى البلد “إننا هنا نموت في اليوم الواحد مئة مرة وقليلون جداً من يتطلعون إلينا بشيء من المساعدات التي خفت عنا كثيراً ودائماً نشعر أننا مهددون إذ لم نعد نستطيع حمل هاتف من شدة المراقبة”.
حالة أمنية
أحد السوريين ويسكن في العبدة – طريق حمص “اشترى جهاز موبايل وخطاً سورياً. خرج إلى شرفة المنزل ليلتقط إرسال ومد يده باتجاه حمص. رآه أحد المخبرين وأخبر عنه، جاءته المخابرات وقبضت عليه للتحقيق وبعد ساعات أعادوه إلى المنزل ليتبين أنه غير متورط بشيء”.
تقارير غير دقيقة
تتعرض المخيمات وتجمعات اللاجئين السوريين في لبنان وفي عكار بشكل خاص إلى مداهمات والشبان إلى اعتقالات ليتبين في النهاية أن أكثرها معلومات أمنية غير دقيقة. فالسوري هو مشتبه به لمجرد أن سحب جهازه الموبايل من جيبه وأجرى اتصالاً أو صور صورة لاستعمالها في أحد مواقع التواصل الإجتماعي.
إن لبنان الذي فتح ذراعيه للاجئين السوريين واحتضنهم عليه أن يكمل المعروف بحسن الإستضافة أما ما يتعرض له السوريون من مضايقات فليس منطقياً مهما كانت خلفياته. فاللاجئ له حقوقه وعليه واجبات. وهذه الحقوق قد نصت عليها الشرائع الدولية وعلى لبنان والجميع التعاطي مع الملف السوري من الجانب الإنساني قبل أي شيء. من أخطأ ومن ارتكب سورياً كان أم لبنانياً فليحاسب، أما المضايقات الأمنية وغير الأمنية لمجرد أنه لاجئ سوري فهذا أمر لا يجوز البتة.
غادرنا اماكن اقامة النازحين بعد الاستماع الى همومهم ، كان الكلام كثيرا ، كلهم عبروا ولاموا ، غضبوا وتحسروا ولكن بقيت ملامح صالح طاغية وصوته يتكرر مع كل مشهد وهو الحاضر الاكبر بين سطور ما اكتب .
وفي اليوم التالي
اتصل بي الصديق أسامة يقول لي:” هل تعرف من توفي اليوم؟”.
أجبته:”لا، من توفي؟”.
قال:” صالح الصالح النازح السوري الذي كنا نتحدث معه في الأمس خلال الجولة”.
وهنا لا حاجة للسؤال كيف مات صالح او لماذا؟
فمراجعة همومه على الورق كانت تشي بنهايته .
صالح نازح سوري مات من القهر .

قد يعجبك ايضا