موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هل أخطأت ريم في حياتها والله يعاقبها؟

سلوى أبو شقرا – النهار

منذ نحو العام ونصف العام بدأت ريم ابنة السادسة عشرة ربيعاً تشعر بقلة شهية، وانخفاض في الوزن وتعبٍ شديد، وازدادت هذه العوارض بمرور الوقت إلى أن رأت انتفاخاً في رقبتها فلجأت إلى أدوية مضادة للالتهابات. وبعد مدَّة طلب منها الطبيب إجراء فحوصات، حيث وجد أنَّ الكريات البيض في الدم أكثر من الحمر. ثمَّ أجرت خزعة واحدة للغدد اللمفاوية، وطوال تلك المدَّة كانت تمضي وقتها بين المستشفيات والعيادات.

لم أثق إلاَّ بشقيقتي

ظنَّت ريم وعلى رغم صغر سنها أنها مصابة بسرطان الثدي، تخبرنا عن يوم ذهبت إلى عيادة الطبيب بعد ظهور نتائج الخزعة قائلةً: “توجهت مساعدة الطبيب نحوي مخبرةً إياي أن كل شيء جيد، وأنه لا يجب أن أنزعج، مشيرةً إلى أنه يمكنني أن أستمر في الذهاب إلى المدرسة والدرس، وحتى تلك اللحظة كنت لا أعلم بطبيعة مرضي. صحيح أنَّه كانت لدي بعض الشكوك، بدأت عيناي تدمع، وأجبتها أنني لا أفهم شيئاً مما تقوله، فأجابتها شقيقتي التي تعمل في مركز سرطان الأطفال – سان جود، “هي لا تعلم بعد”، رحت أصرخ وأسألهما ما الذي لا أعرفه بعد؟”. خرجت من الغرفة ودخلت غرفة الطبيب وسألته: هل صدرت نتيجة تحليل الخزعة، فأجاب بنعَم، فقلت له “وماذا يعني؟”، ابتسم، ما جعلني أدرك حكماً ما ألمَّ بي. وعرفت أنني مصابة بـ Hodgkin lymphoma أو ما يعرف بسرطان الغدد اللمفاوية. تردف ريم قائلةً: “أخذت موقفاً من أفراد العائلة ما عدا شقيقتي يارا، وهي بدورها ساعدتني وراحت تخبرني عن كل تفاصيل العلاج، صحيح أنني كنت أثق بالأطباء، إلاَّ أنَّه بطبيعة الحال لا يمكن للشخص الوثوق إلا بالمقربين إليه. بدأت أسألها تفاصيل دقيقة عن المرض والعلاج، وهي تخبرني بكل شيء”. تتابع: “يقول الجميع أنَّ ريم قوية، وجريئة ولا تكترث لشي، لم أرغب في أن أخيِّب ظنَّ من كان حولي، لكنني كنت أصرخ وأبكي وأضحك أمام يارا”.

رفضت الخضوع للعلاج

تضيف ريم: “سألت الله “لماذا أنا؟”، هل أخطأت في حياتي والله يريد أن يعاقبني؟”، ولكن بعدما صرت أذهب إلى مركز سرطان الأطفال في لبنان – سان جود، وأرى أطفالاً صغاراً ومنهم من لا يزال رضيعاً فهمت أنَّ الأمر ليس بقصاص أو عقاب، فهؤلاء الصغار ما ذنبهم”. رفضت ريم بدايةً الخضوع للعلاج الكيميائي، إذ إنها كانت خائفة من خسارة شعرها، وأمضت طوال يومها تبكي في المنزل. أخبرت أمها أنها لا ترغب في الخضوع للعلاج، فكان جواب والدتها الرفض وحضّتها على تقبله. دفع ذلك بريم إلى استرجاع قوتها قائلةً في نفسها أنها “بضعة أشهر ستمضي وأُشفى”.
انتشر السرطان ووصل إلى الكتف، والبطن والرئتين، وكان سيمتد في كل جسمها لولا أنها بدأت الخضوع للعلاج الذي كان عبارةً عن حلقات كل 6 أشهر، وفي كل شهر كان هناك 15 يوماً مخصصاً للعلاج و15 يوماً للراحة. تتابع ريم: “كنت آخذ دواء يُوجع العظام، كنت أبكي وأصرخ من الألم. تحمّلني أهلي كثيراً، إذ كنت أفرغ كل غضبي تجاههم. أشعر الآن بأنني أزعجتهم وآلمتهم في وقتٍ لم يكونوا يقولون لي شيئاً. أندم الآن على تصرفاتي السابقة إلاَّ أنني لا أخبرهم بشيء”.

قصصت شعري بنفسي

خضعت ريم لعلاج كيميائي chemotherapyمدَّة 6 أشهر، ثمَّ لعلاج بالإشعاع radiotherapy. كانت تدرك خلال تلك المدَّة أنها ستخسر شعرها، فشقيقتها يارا حضرتها لكل الاحتمالات. تقول ريم في هذا الصدد: “إنَّ الوجع الذي اختبرته جعلني أنسى مسألة شعري، لذا، في أحد الأيام جلبت المقص ثمَّ مكينة الحلاقة الرجالية وقمت بقصِّ شعري، لم اضطر يومها لزيارة الحلاق. بعدها أخذت الشعر الطويل لأنَّ غيري بحاجة إليه أكثر”. تتابع ريم: “اشتريت شعراً مستعاراً كنت أضعه، وأحياناً كنت ألجأ إلى وضع وشاح على رأسي، أما يوم كنت أغضب من العائلة كنت أخرج من دون أن أرتدي شيئاً، فكان الناس ينظرون إليَّ كأني آتية من المريخ! لم أكن أشعر أنَّ المرض هو ما يصيب الجسم، بل ما يصيب العقل، أي ذهنية الناس وعقليتهم”.
في شهر نيسان الماضي أنهت ريم علاج الأشعة، ولكن يترتب عليها إجراء صور أشعة وفحوصات كل 3 أشهر في الفترة الأولى، بعدها كل 6 أشهر، ثمَّ كل سنة مدة 6 سنوات”.

نتشارك الفرح والألم

اختارت ريم إسبانيا بلداً ترغب في زيارته بعد أن زارتها جمعية “تمنى” خلال فترة العلاج، وحققت لها هذا الحلم، سامحةً لها بأخذ شخص مقرب منها معها فطلبت أن تسافر مع شقيقتها يارا، وبادر أهل ريم من جهتهم إلى حجز تذاكر على متن الرحلة نفسها. تخبر ريم بفرح عن سفرتها قائلةً: “كنت بحاجة إلى تلك السفرة حيث استطعت التمويه عن نفسي، خلال 10 أيام زرت برشلونة، وإشبيلية، وقرطبة. واخترت يارا للذهاب معي في هذه الرحلة كعربون شكر على ما قدمته لي طوال تلك الفترة الصعبة، كانت قدوة بالنسبة إلي وتخلت عن أولوياتها من أجلي، رغبت في أن نتشارك الفرح مثلما تشاركنا الألم”.

2014 العام الأفضل بالنسبة إلي

تؤكد ريم أنها لم تعد تحب الانتظار أو تأجيل الأمور قائلةً: “هذه الحياة نعيشها مرة واحدة، يجب أن نعيشها فرحين، وأن نحقق كل ما نحبه. لا يمكنني أن أهرب من قدري، لذا، وعلى رغم من كل ما مررت به في العام 2014 لم تكن تلك السنة بشعة أبداً بل كانت أجمل من السنوات التي سبقتها”. لا تطلب ريم شيئاً من بابا نويل لنفسها في هذا العام، بل تكتفي بالتمني للمحتاجين الحصول على حاجاتهم، وللمرضى الشفاء السريع، والسلام لعقول وقلوب الناس. وتختم: “أن يكون الإنسان متصالحاً مع نفسه لأمر جميل جداً، وأن يسود السلام حياته، لأنه مهما كانت الظروف بشعة سيتخطاها، فما من شيء بلا حلّ. وعندما نفكر بمعاناة الأطفال والأمور الصعبة التي يمرون بها تسهل علينا مشاكلنا كثيراً”.

قد يعجبك ايضا