موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ماذا حصل بين “المستقبل” وميقاتي في عزاء كرامي؟

لم يكن أحدٌ يتوقع أن تكون قاعة المؤتمرات في معرض رشيد كرامي الدولي، التي خُصّصت لتقبّل التعازي بالراحل الرئيس عمر كرامي، مسرحاً لمواجهة شعبية على الأرض، أرادها الرئيس نجيب ميقاتي من دون سابق إنذار، مع تيار «المستقبل».الرئيس سعد الحريري الذي فقد والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ نحو عشرة أعوام، لا يزال يشعر بحرقة حرمان عاطفة الأبوّة، والألم المتأتي عند لحظة الوداع والفراق، وهو في هذا المعنى يشعر مع الآخرين، ويتحسّس معاناتهم وأوجاعهم، وينسى تماماً، في لحظة المصاب واقعه أو مركزه السياسي والشعبي.

يعود ببساطة ذلك الشاب الأربعينيّ الذي يحتاج في بعض الأحيان، الى والده، يرعاه، يهبه حنانه ويسدي له نصائحه. بالنسبة إلى الحريري، خالد وفيصل كرامي فقدا والدهما، عمر كرامي، وبقية الألقاب والمناصب لا معنى لها.

بعد انتهاء مراسم الدفن، أعطى الحريري توجيهاته الى بعض المسؤولين في مكتبه، للاتفاق مع الوزير السابق فيصل كرامي على تقديم غداء اليوم الثالث عن روح الفقيد، وهو أمر طبيعيّ اعتاد الحريري القيام به، وحصل سابقاً عند وفاة الرئيس أمين الحافظ، وذلك ضمن إطار اللياقات والعادات العائلية، من دون أيّ خلفية أو مصلحة سياسية.

في الوقت نفسه، أبلغ الأمين العام لـ«المستقبل» أحمد الحريري إلى كوادر التيار أنه سيحضر شخصياً لتقديم واجب العزاء في معرض رشيد كرامي الدولي، وأعطى توجيهاته الى كلّ منسقيات الشمال للمشارَكة، وتمّ تحديد الموعد الساعة الثالثة من بعد ظهر السبت الماضي.

وصل الخبر مباشرة الى الرئيس ميقاتي، الذي أصدر بدوره تعليماته الى المسؤولين في جمعية «العزم والسعادة»، لتحضير وفد كبير من مختلف أقضية الشمال للمشارَكة في العزاء، لكنّ المستغرب، أنّ الموعد حُدّد في الساعة واليوم نفسيهما لوصول الحريري ووفد «المستقبل» الى المعرض.

بدا واضحاً أنّ ميقاتي ومستشاريه أرادوا خوض الامتحان الأول شعبياً على الأرض أمام التيار الأزرق ليبرهنوا أمام كلِّ مَن سيحضر العزاء من شخصيات رسمية وشعبية، إضافة الى أنّ المناسبة ستُنقل على الهواء مباشرة عبر مختلف شاشات التلفزة، أنّ ما كانوا يعلنون عنه لجهة تراجع شعبية «أبناء الحريري» في «العاصمة الثانية»، أصبح أمراً واقعاً لا مفرّ منه.

استطاع كوادر ميقاتي الحشد بطريقة مختلفة هذه المرّة، فحضر أكثر من ثلاثمئة شخص إلى باحة المعرض الخارجية في انتظار وصول «دولته»، لكن في المقابل، تجمّع أكثر من ألف شخص من «المستقبل» في الجهة المقابلة، يترقبون حضور «الأمين العام».

عناصر الأمن والحماية وأصدقاء وكوادر الرئيس الراحل، حتى كوادر ميقاتي أنفسهم، وكلّ مَن كان موجوداً حينها، تساءل عن سبب وغايات هذا الحشد الضخم الذي وفّره «المستقبل» للمشاركة في عزاء شخصية لطالما عارضت وهاجمت سياسات الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونهجه، ومن ثمّ سارت في السياق نفسه، مع نجله سعد الحريري.

هل هو عرضُ عضلات وتحدٍّ من نوع خاص لميقاتي؟ أم أنّ الأمر يحمل أبعاداً ورسائل سياسية أهم وأعمق؟

«التحدي غير موجود في حساباتنا في الوقت الحاضر»، تقول مصادر «المستقبل» لـ»الجمهورية»: «مَن حضروا الى العزاء هم أعضاء مكاتب ومجالس منسقيات الشمال، لو أردنا التحدي، لكنّا طلبنا مشاركة جميع أعضاء مجالس الدوائر والوحدات والقطاعات والشعب، وعليه كنت ستجد أمامك عشرات الآلاف من كوادر التيار». وتضيف: «لسنا في وارد الدخول في هذه الجدلية مع أحد، ولسنا مضطرين لعرض عضلاتنا في وجه أيٍّ كان، خصوصاً أننا نحترم المناسبة التي نشارك فيها.

لكن على الفريق الآخر أن يشرح للرأي العام الطرابلسي تحديداً، لماذا اختار التوقيت نفسه للحشد والمشاركة، ولماذا طلب من مناصريه الاختلاط مع حشود «المستقبل» أثناء تأدية واجب العزاء؟ أليست هذه محاولة للتمويه وعدم المقارنة بين الفريقين؟»

أما لجهة أن يكون الهدف أو الغاية من هذه المشاركة، توجيه رسائل سياسية، فتؤكد المصادر «أنّ هذا الأمر لم يعتد عليه الرئيس الحريري. وهو حين يريد الإقدام على أيّ خطوة يعلن ذلك أمام الرأي العام مباشرة وصراحة، وبلا أيّ وسيط أو مواربة، ولعلّ تجربة إطلاق الحوار مع «حزب الله» خير دليل على ذلك».

حقيقة الأمر، توضحه المصادر نفسها: «الأمر لا يعدو كونه مشاركة فاعلة في عزاء رئيس حكومة سابق يقدِّره ويحترمه تيار «المستقبل»، بصرف النظر عن الخلافات السياسية»، وهو ما أكده الحريري في بيان النعي.

من جهتها، تؤكد مصادر قريبة من ميقاتي لـ«الجمهورية» أنّ «المشاركة في العزاء جاءت بطريقة عفوية بعدما كنّا قد شاركنا بكثافة في ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي». وتوضِح: «حددنا موعد التجمّع قبل عشر ساعات من المناسبة، واستطعنا جمع حشد لائق قدِم من طرابلس، في حين أنّ حشود الفريق الآخر أتت من مختلف المناطق الشمالية».

وتشير المصادر نفسها الى أنها «تعترف بالمشاركة الكثيفة لـ»المستقبل» في عزاء كرامي، علماً أنه خَوّنه سابقاً، ما يعتبر بمثابة إعطاء براءة ذمة للراحل، وهو أمر نرحّب به».

ثمّة مَن يقول، إنّ مشاركة «المستقبل» بهذه الفاعلية في العزاء، وغداء الحريري عن روح الرئيس كرامي، شرح بُعدهما الأمين العام أحمد الحريري حين قال: «على رغم الاختلاف السياسي، كان هناك احترام كامل، فهذه هي أخلاقنا وتربيتنا، إن كان في بيروت وصيدا وطرابلس، فمهما كان هناك من خلافات سياسية، نحافظ على الاخوّة العائلية والمحبة التي نحن قادرون على تعميمها على كلّ الناس، لنُخفف من المشكلات في مناطقنا، ونكون يداً واحدة أكثر فاكثر».

المصدر: الجمهورية

قد يعجبك ايضا