موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“«أنا شارلي» وأضع «حزب الله» و«داعش» في كفة واحدة!”

ايلي الفرزلي – السفير

«أنا شارلي» لم يعد شعاراً تضامنياً مع مجلة «شارلي إيبدو» التي طالتها يد الإرهاب. صار شعاراً ملهماً لكل من يريد أن يعلن تضامنه مع أي قضية أو حدث. «أنا شارلي» انتشرت في بيروت منذ اللحظات الأولى للعملية الإرهابية التي أسفرت عن مقتل 12 شخصاً. ملأت مواقع التواصل الاجتماعي عبارات التضامن مع الشــعب الفرنسي والصحافة العالمية، وتأجل النقاش في خلفــيات هذا الهجوم وأسبابه.

أمس الأول، وقبل أن يجتمع العالم للمشاركة في «تظاهرة الجمهورية» التي تحولت من تظاهرة للتنديد بالجريمة إلى تظاهرة ضد الإرهاب شاركت فيها قيادات من 40 دولة، كانت جريمة إرهابية أخرى تقع على حافة العالم، وتودي بحياة 9 مدنيين آمنين ذنبهم أنهم ينتمون إلى طائفة مغضوب عليها من الإرهاب.

التظاهرة الباريسية قوبلت بوقفة تضامنية بيروتية، لكن ما لم يفعله الأوروبيون فعله بعض اللبنانيين، الذين أرادوا أن تتحول التظاهرة التضامنية التي دعت إليها «سكايز» إلى تظاهرة منددة بـ «حزب الله»، فرفعوا لافتات لا تميز بين الحزب والإرهابيين. لم تستفز «لا لحزب الله، لا لداعش، لا للإرهاب» أحداً في «8 آذار». مصادرها رأت فيها مجرد تعويض عن تعطل آلة التشويش على سمعة «حزب الله» والسعي لمحاصرته سياسياً وإعلامياً. بالنسبة لها صارت هذه الآلة جزءاً من ورشة الحوار التي بدأها «المستقبل» ويسعى إليها كل صقور «14 آذار» ممن كانوا يضعون الحزب في مرمى نيرانهم طيلة السنوات السابقة.

هي المعايير المزدوجة نفسها تتحكم بالمشهد. أن يصل القتل إلى قلب أوروبا، فذلك يكفي لتتضامن الكرة الأرضية كلها مع الضحية، ولكن أن نُقتل يومياً في بلادنا فذلك من بديهيات الزمان. المصيبة أن ذلك ليس موقفاً غربياً فحسب. هو موقفنا أيضاً. تهزنا جريمة تقع في فرنسا أو أميركا فنتداعى للاستنكار والتنديد والتظاهر ويضرب الإرهاب مناطق لبنانية ويقتل لبنانيين، فلا يكون ذلك كافياً لنتضامن مع أنفسنا. تفجيرات الضاحية والبقاع قوبلت ببيانات التنديد، فيما لم يجد فيها البعض سوى محاولة لحرف الأنظار عن جرائم النظام السوري.. ففضلوا التركيز على جوهر القضية.

جريمة جبل محسن لا تبتعد كثيراً عن هذا السياق. التنديد بالجريمة أمر سهل، لكن لا أحد يضع إصبعه على الجرح الحقيقي، فلا تسمع الإدانة للفكر الذي وراء الجريمة. وعلى طريقة من يحك أذنه اليمنى بيده اليسرى يفضل هؤلاء تحميل المسؤولية لتدخل «حزب الله» في سوريا، لا للمجرم نفسه.

لا نقاش في قوة الرابط بين جريمتي باريس وجبل محسن. العقل هو نفسه والفكر نفسه والعقيدة نفسها، ووحدها الأسماء تختلف. هذا يعني أن المعالجة لا ينبغي أن تنفصل. من يُردْ أن يواجه الإرهاب الداخل إلى فرنسا عليه أن يجفف منابعه أولاً. ومن يُردْ أن يواجه الإرهاب الذي يضرب لبنان عليه أن يواجه الفكر الذي يغذيه والتمويل الذي يفخخه.

العرب سابقوا الفرنسيين إلى مقدمة التظاهرة. مسؤولون من شتى الأقطار العربية نددوا بالإرهاب مباشرة من الشوارع الفرنسية ونسوا أدوارهم في تمويل وتدريب ونقل الإرهابيين. حتى الإسرائيليين تصدروا المشهد. ازدواجية المعايير سمحت لنفتالي بينت، الذي ساهم بشكل مباشر بقتل 120 مدنياً في مركز الأمم المتحدة في قانا، أن يقف مع الملايين مندداً بالإرهاب، فيما كان بنيامين نتنياهو يفتح ذراعه لليهود الأوربيين الخائفين.

ثمة من يعتبر أن التظاهرة المليونية لها دور واحد وهو إبعاد السلطتين السياسية والأمنية في فرنسا عن المحاسبة. هؤلاء يعتبرون أن المطلوب من فرنسا، إن كانت صادقة في مواجهة الإرهاب، أن تعود إلى من سمح بانتشار الفكر التكفيري في مساجد أوروبا، وإلى من استغل هؤلاء الإرهابيين واستخدمهم ووجههم. وبالتالي، فالتظاهرة المليونية لن تكون ذات جدوى إذا لم تُتبع بتجفيف المنابع الفكرية والمالية والأمنية للإرهاب العالمي.

السفير السعودي علي عواض عسيري، الذي شارك في الوقفة التضامنية في بيروت، قال شيئاً من هذا القبيل. أعطى أملاً بأن ثمة من بدأ يرى الصورة بشموليتها. ودعا إلى التفكير في ما هو اكثر من مجرد وقفة، سواء في ما خص ما رأيناه في جبل محسن او في الحدود السعودية ـ العراقية او في باريس، قائلاً: «هذا يقودنا الى التفكير بجدية أكثر بكيفية التعامل مع هذه الظاهرة التي لا تمتُ الى الإسلام ولا لأي دين بأي صلة».

قد يعجبك ايضا