موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

من قصص سجن رومية الأسطوريّة … قبل القرار الجريء!

فيفيان عقيقي – النهار

أمس انتهت “أسطورة سجن رومية”، بحسب ما أكّد وزير الداخليّة والبلديات نهاد المشنوق في مؤتمره الصحافي، انتهت أسطورة عمرها سنون، تحكّم فيها الفساد الأمني والسياسي. انتهت بقرار سياسي كان يمنع انتهاءها سابقًا. إنها خطوة تُحتسب لوزير الداخليّة، ومن ورائه قائد الدرك العميد الياس سعادة، قائد فوج المغاوير في الجيش اللبناني العميد شامل روكز، قائد منطقة جبل لبنان في قوى الأمن الداخلي العميد جهاد حويك، رئيس شعبة المعلومات العميد عماد عثمان، قائد سرية السجون العقيد غسان المعلوف، ورئيس غرفة العمليات في قوى الأمن الداخلي العميد حسام التنوخي. خطوة سيدوّنها التاريخ مشيرًا إلى أن هؤلاء كان لهم الجرأة والشجاعة الكافية ليقتحموا السجن، وأن في عهد هؤلاء كُسرت شوكة سجناء رومية.

قصص خلف القضبان
خلف قضبان الزنزانات في رومية قصص كثيرة، لن تمحّى على الرغم من الخطوة المتّخذة. قصص طبعت في نفوس من عاشها وفي نفوس أهاليهم، وسطّرت الأيّام التي قضوها فيه.

حُكم عليه بالسجن بتهمة القتل، فدخل إلى سجن رومية الذي يفترض أن يكون مكانًا ينفّذ فيه السجين محكوميته ويُعاد تأهيله، لكنّ اتضح أن ذلك السجن قوانينه الخاصّة التي تشعرك وكأنك في مربّع أمني بحماية عسكر الوطن. داخل سجنه تعرّض للضرب من أحد الضباط، خدمة لصديقه المقرّب من أهل الضحية. ضُرب وعنّف واستبدّ به، هناك في سجن رومية ليس غريبًا أن يتحوّل القاتل إلى ضحية نتيجة الفلتان الحاصل. يقول أهله لـ”النهار”: “دخل ضابط إلى سجنه، ضربه على رئتيه، وكسر ضلوعه، اعتداء بموازاة رسالة من أهل الضحية. فكيف يُسمح لضابط بضرب إنسان محكوم عليه، وقد اعترف بجريمته وسُجن؟”.

في سجن رومية أيضًا دخل شاب آخر ليقضي محكوميته، لكن هناك تُفرض الخُوّة أيضًا، إذا أراد النوم عليه أن يدفع ثمن الفراش، ليأكل عليه أن يدفع ثمن الطعام الذي أحضرته له والدته، هناك في سجن رومية عصابات لا تُحاسب ولا تُعاقب، بل تمارس ما تريده من مخالفات و”على عينك يا تاجر”. تمارس عدالتها التشبيحيّة تحت أنظار “الدولة” وربّما بالتعاون والتواطؤ مع بعض عناصرها. ويقول والد الشاب: “دخل ابني إلى السجن ليعاقب على جريمته، وبدل أن يكون السجن مكانًا لإعادة تأهيل المساجين تحوّل مربّعًا للإجرام والتطاول على هيبة الدولة. هناك جماعات تتحكّم بالسجن، تفرض خوّة على ابني وغيره من الشباب، لتسمح لهم بالنوم على فراش، أو الدخول إلى الحمّام، وحتى تناول الطعام الذي نرسله له. أين الدولة؟ وما هي العدالة التي تريد تطبيقها وإحقاقها؟”.

أمّا في المبنى “ب”، فجُلِد سجناء، وفُرضت عليهم خوّة، وشُنقوا، وصدرت منه فتاوى تجيز الإعدام، وتحوّل غرفة عمليات لأعمال إرهابيّة تنفّذ خارجًا وآخرها تفجير “جبل محسن”. في ذلك المبنى يتحكّم السجناء الإسلاميّون بباقي المحكومين، خلعوا بوابات الزنزانات وبات السجن مفتوحًا لا يجرؤ أحد على دخوله حتى أصبح عصيًا على “الدولة”، فتقام فيه التظاهرات والإضرابات ويمتنع الإسلاميون عن حضور جلسات المحاكمة.

تداعيات وانعكاسات
كيف يُنظر إلى تداعيات هذه التدابير، وكيف ستتحسّن الأوضاع في سجن “رومية”؟ يقول جاد الأخوي مستشار وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق لـ”النهار”: “ما حصل هو مجرّد عملية نقل الموقوفين من مبنى إلى آخر، ومن تداعياته تنظيم الوضع والتحكّم بالفلتان في المبنى “ب” في السجن. الآن نظّمت وضعيّتهم وحوصروا، ولم يعد لديهم غرفة عمليّات. بات سجنًا طبيعيًا”.

ويتابع الأخوي: “هناك سلسلة من الأحداث التي أوصلت إلى تشكيل إمارة في سجن رومية، بدأت بانتفاضة الإسلاميين عام 2009. إن تنظيم السجن كان من أولويات الوزير المشنوق، وأتت الظروف المناسبة فاستغلّها، في وقت كان يجهّز المبنى “د” بأبواب ضد الخلع والكسر، وتمّت العملية. والآن من المفترض أن يجهّز المبنى “ب” في غضون أربعة أشهر حتى يتحسّن السجن بصورة نهائيّة، فيعاد نقلهم إليه”.
وعن قطع رؤوس الضباط الفاسدين، كما قال وزير الداخلية، ردّ الاخوي: “سيكون هناك محاسبة، وهي انطلقت قبل عملية الأمس، الأمور تضبط تدريجًا. إنه سجن وليس فندقًا”.

هل يستمر الفساد؟
إلى ذلك، رُفع تقرير عام 2009 إلى مجلس الوزراء، في عهد وزير الداخليّة الأسبق، زياد بارود، مرفق بتقرير آخر أعدّه مدير عام قوى الأمن الداخلي في حينه اللواء أشرف ريفي، يدقّ ناقوس الخطر ويحذّر من أن سجن رومية هو قنبلة موقوتة، وعن هذه التدابير المتخذة، يقول وزير الداخليّة الأسبق، زياد بارود، لـ”النهار”: “لا شكّ في أن العمليّة النوعيّة التي قامت بها القوى الأمنيّة، هي موضع تقدير ولو أتت متأخرة، وهي طبعًا جاءت في توقيت مناسب وبغطاء سياسي واضح لم يكن متوافرًا في السنين السابقة. لم تكن القوى الأمنيّة عاجزة يومًا عن القيام بهذه العمليّة لو تأمّن لها هذا الغطاء. كل محاولات معالجة حالات الشغب والفرار والفوضى في السجن المركزي كانت تصطدم باعتبارات سياسيّة تحول دون تمكّن القوى الأمنيّة من إتمام مهامها. العمليّة التي طال انتظارها لا يمكن إلّا أن تؤدي إلى نتائج إيجابيّة. كسرت هذه العملية مقولة أنه لا يمكن لنا أن نغيّر شيئًا بالنسبة إلى رومية”.

ويتابع بارود: “من نتائج هذه العمليّة، كسر الحلقة المفرغة التي كنّا ندور فيها، وفصل السجناء في شكل يسمح بضبط الوضع الأمني بطريقة أفضل، إجراءات لوجيستيّة سترافق العمليّة وتتعلّق بالتفتيش ووضع أجهزة مراقبة وكاميرات وأبواب. دخل سجن رومية مرحلة جديدة ليصبح كباقي سجون العالم”.

أمّا عن كيفيّة القضاء على الفساد الأمني في السجن من خلال هذه العمليّة، يردّ بارود: “المفتشيّة العامّة في قوى الأمن الداخلي اتخذت تدابير كثيرة بحقّ ضباط وعناصر، لكن الأهم هو المراقبة، من خلال وضع كاميرات وأجهزة تفتيش تحول دون تمرير أيّ شيء، والوزير المشنوق جدي في متابعة الموضوع، ولا شكّ أن التفتيش سيقوم بما يكلّف به”.

قد يعجبك ايضا